لا شك أن الأفكار الأكثر عمقاً وتأثيراً هي تلك التي تنجح في تحريك المياه الراكدة وإثارة نقاشات فكرية جادة بين النخب الثقافية. وفي هذا السياق، يأتي كتاب الغريب للطيفة الشعلان المعنون بـ “الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية” ليحدث حراكاً ثقافياً واسعاً، مسلطاً الضوء على واحدة من أكثر الظواهر الأيديولوجية تعقيداً في التاريخ المعاصر للمملكة العربية السعودية والمنطقة بأسرها.
أبعاد التحليل النفسي والاجتماعي في كتاب الغريب للطيفة الشعلان
تقدم الدكتورة لطيفة الشعلان في مؤلفها الجديد قراءة غير تقليدية لظاهرة “الجهيمانية”، مستندة إلى خلفيتها العلمية والثقافية لتفكيك الخطاب الأيديولوجي من منظور التحليل النفسي والوجودي. يسعى الكتاب إلى سبر أغوار ما يُعرف بـ “البروليتاريا الثائرة”، ومحاولة فهم الدوافع النفسية والاجتماعية التي قادت هذه المجموعة نحو تبني العنف كوسيلة لفرض قناعاتها الفكرية والدينية المستمدة من الرؤى والمنامات وأحاديث الفتن والملاحم بالرغم مما فيها من علل عند المحدثين.
وقد حظي الكتاب باهتمام نقدي وإعلامي واسع، حيث تناول العديد من الكتاب والنقاد مضامينه بالبحث والتحليل. فكتب الإعلامي عمر البدوي قراءة مستفيضة للكتاب في صحيفة “الشرق الأوسط”، بينما لفت الناقد الدكتور صالح زياد في مقالته بمجلة “اليمامة” إلى قدرة المؤدلج على بناء عوالم خاصة به تفرضها عليه ظروفه التاريخية والاجتماعية. كما شارك الكاتب عبد الله ثابت بتدوينة حول شجاعة الكتاب في مواجهة الأسئلة الصعبة، وتطرق الدكتور محمد الخازم في صحيفة “الجزيرة” إلى الجوانب الثقافية والسياسية للتحليل الوجودي الذي قدمته الشعلان، مشيداً بالإضافات الهامة في فهم مسببات خيارات شخصية جهيمان، رغم إشارته إلى محاولة الكاتبة حصر الدوافع في فكرة “المهدوية”.
السياق التاريخي لحدث اقتحام الحرم المكي 1979
لفهم الأهمية البالغة التي يكتسبها هذا الطرح، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للحدث الأبرز المرتبط بـ “الجهيمانية”. ففي أول يوم من القرن الهجري الجديد (1 محرم 1400 هـ الموافق 20 نوفمبر 1979م)، قاد جهيمان العتيبي ومجموعته المسلحة عملية اقتحام الحرم المكي الشريف، معلنين ظهور “المهدي المنتظر”. هذا الحدث التاريخي الصادم لم يكن مجرد عملية إرهابية عابرة، بل كان نقطة تحول مفصلية أثرت بعمق على المشهد الديني والاجتماعي والسياسي في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط لعقود تلتها، حيث تسببت في فرض قيود اجتماعية صارمة عُرفت لاحقاً بمرحلة “الصحوة”.
الأثر المحلي والإقليمي لظاهرة الجهيمانية
لم يقتصر تأثير حركة جهيمان على الداخل السعودي فحسب، بل امتدت تداعياتها إقليمياً ودولياً، حيث كشفت الحادثة عن خطورة استغلال المفاهيم الدينية المتطرفة وتوظيفها لتحقيق غايات تدميرية. واليوم، يأتي هذا الإصدار ليعيد قراءة هذه الظاهرة في وقت تشهد فيه المملكة تحولات جذرية وإصلاحات كبرى تهدف إلى تحجيم التسلط باسم الدين وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية.
وفي إجابة للدكتورة لطيفة الشعلان على سؤال صحيفة “عكاظ” حول ما إذا كانت شخصية جهيمان “شريرة أم ضحية”، أوضحت الكاتبة أن الموضوع أعقد بكثير من مجرد ضحية وشريرة، مما يعكس عمق المقاربة النفسية والاجتماعية التي تبنتها في دراستها، والتي حظيت بإشادة واسعة من كتاب بارزين مثل داوود الشريان ومنصور النقيدان.
The post كتاب الغريب للطيفة الشعلان يثير جدلاً ثقافياً واسعاً appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












