في أعماق جبال الأورال الشاهقة، تتسارع وتيرة أعمال البناء والتحديث داخل منشأة عسكرية روسية بالغة السرية، مما يسلط الضوء مجدداً على مساعي موسكو الحثيثة لتطوير منظومة الردع النووي الروسية، والارتقاء بقدراتها الدفاعية والاستراتيجية. وتُعرف هذه المنشأة المحصنة بالرمز “1335” أو باسم “غروت”، وتقع تحديداً في جوف جبل كوسفينسكي كامين بالقرب من قرية كيتليم النائية. ويرتبط هذا الموقع الجغرافي الحصين ارتباطاً وثيقاً بنظام القيادة والسيطرة النووي الاحتياطي الشهير بـ “بيريميتر”، والذي يُطلق عليه في الأوساط الغربية اسم “اليد الميتة” (Dead Hand).
جبل كوسفينسكي كامين وحصانة منظومة الردع النووي الروسية
كشفت تحقيقات استقصائية حديثة، اعتمدت على وثائق المشتريات الحكومية وسجلات الإنشاءات الروسية، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، عن عمليات توسيع وتحديث غير مسبوقة في منشأة “غروت”. ووفقاً لهذه البيانات، فقد استهلكت أعمال التطوير الجارية أكثر من 22 ألف طن من الفولاذ المقاوم للصدمات، و56 ألف طن من الأسمنت المسلح عالي الكثافة، إلى جانب تمديد شبكة كابلات معقدة بطول يقارب 600 كيلومتر، وتركيب 182 وحدة تهوية متطورة، فضلاً عن تجهيزات كهربائية وميكانيكية فائقة الحداثة مصممة للعمل في ظروف الحروب الشاملة.
الجذور التاريخية لنظام “بيريميتر” أو “اليد الميتة”
تعود الجذور التاريخية لمنظومة “بيريميتر” إلى حقبة الحرب الباردة في ثمانينيات القرن الماضي، حيث صممها الاتحاد السوفيتي كآلية دفاعية تضمن توجيه ضربة انتقامية مدمرة في حال تعرضت القيادة السياسية والعسكرية العليا لضربة نووية استباقية تشل حركتها. ورغم الشائعات الغربية التي تشير إلى أن المنظومة تعمل بشكل تلقائي بالكامل دون تدخل بشري، يؤكد خبراء عسكريون أن النظام يهدف أساساً إلى تأمين قنوات اتصال بديلة ومحصنة لضمان وصول أوامر الإطلاق إلى الغواصات والمنصات الأرضية، وليس اتخاذ قرار الحرب بشكل آلي مستقل.
الأبعاد الاستراتيجية للتحديثات في ظل العقيدة النووية الجديدة
تأتي هذه التحركات الروسية المكثفة في وقت حساس للغاية على الساحة الدولية، وتحديداً بعد توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نوفمبر 2024 على النسخة المحدثة من عقيدة الردع النووي الروسية. ويرى الباحث في السياسات الدفاعية، ديفيد فيشر، أن تحديث منشأة جبل كوسفينسكي كامين يعكس رغبة موسكو في تحصين بنيتها التحتية الحيوية ضد الهجمات السيبرانية المعقدة، وتقنيات التشويش الإلكتروني المتطورة، والأسلحة التقليدية عالية الدقة التي يمتلكها حلف شمال الأطلسي (الناتو).
على المستوى الإقليمي والدولي، يبعث هذا المشروع برسالة ردع قوية مفادها أن روسيا قادرة على حماية سلسلة القيادة والسيطرة الخاصة بها تحت أي ظرف من الظروف. إن امتلاك الترسانة النووية لم يعد كافياً في الحروب الحديثة؛ بل إن القدرة على ضمان بقاء قنوات الاتصال وتوجيه الأوامر في أسوأ السيناريوهات المحتملة هو الجوهر الحقيقي للردع الاستراتيجي المعاصر. ومع استمرار الغموض المحيط بالتفاصيل التقنية الدقيقة لمنظومة “بيريميتر”، يظل جبل كوسفينسكي كامين شاهداً على سباق تسلح صامت ومستمر لحماية التوازن النووي العالمي.
The post منظومة الردع النووي الروسية: أسرار جبل كوسفينسكي كامين appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












