تتساءل بقلق رهيب وسط رحلة عملية شاقة، عمّا إذا كنت ستفعلها هذه المرة وتغطّ في نوم عميق، تستطيع معه، بعد الوصول، القيام بما تراكم عليك من مهام كان مديرك قد رجاها منك بلباقة شديدة. ثمّ تسخر من تساؤلك الساذج بتقليد مضحك لشخير ذلك الرجل النائم بجوارك منذ دقيقة ركوبه الأولى. وتطرح تساؤلاً آخر تبحث به عن تلك العصا السحرية التي استطاع أن ينام بها بسرعة مذهلة. بينما أنت ما زلت غائباً في نوبة محرجة من الضحك؛ لأن شخيره الاستثنائي يذكرك بصوت مكينة السحب الآلي وهي ترتّب النقود في هدوء، ثمّ تمنحها لك برائحتها القوية والمنعشة. لكنك في خضم تلك اللحظات… ومن أمام ذلك الكرسي الكئيب الذي تراه يحظى باهتمام مبالغ فيه من طاقم الطائرة، كما لو كنت أنت الكرسي، وكان هو المسافر الحزين.تدرك فجأة، وبسعادة غامرة، أن لا شيء أعذب من طفلة تجلس على المقعد المقابل لك باسمة. تحطّ عينيها على عينيك بلطف، وتنظر إليك بعاطفة مستقلة، في وقت تكون فيه أنت بأمسّ الحاجة إليها؛ لأنك فقدت هالتك الحيوية المألوفة، وأوشكت على البكاء. تلمح في وجهها تردداً خفيفاً، فتسارع دون وعي، مدفوعاً بإحدى أجمل أمنياتك وأكثرها شعرية في الحياة؛ أن تلحق بابتسامتها قبل أن يبتلعها اليأس. بينما أنت تستعيد تلك الملامح المرتبكة التي كنت تراها على وجوه الآباء والأمهات كلما أظهرت طفلتهم البريئة، بطبيعة قلبها، ما يخالف تلك الحدة التي عوّدوها عليها. ثمّ تجعل بعفويتها وضحكتها وبهجتها المعدية من ذلك الكرسي الضيق واللعين ساحةً خضراء تفيض بالأزهار والأشجار والألعاب.لتغادرا الطائرة جنباً إلى جنب، وأنتما تتبادلان الابتسامات والانتصارات الكبيرة نفسها، بعدما استطاعت هي، بدهائها الفاتن، أن تحيي ما مات في داخلك منذ زمن، فقررت أنت منحها هدية صغيرة كانت آخر ما جادت به محفظتك الفارغة عن آخرها. لتقوم بردّها أمام والديها بلطف شديد، ثمّ تعود بحياء عند الوصول، وتلتقطها منك خلسة، بينما هي تشير بيدها من الأسفل، ملوّحة بالوداع الصغير. والذي تظن معه، لوهلة، بأنكما تفترقان الآن لتجتمعا على سفرة العشاء ليلاً… فقط لأنك كنت قد أدركت منذ الابتسامة الأولى أن أجمل أمنياتك وأكثرها شعرية في الحياة هي أن تكون يوماً ما تلك الجهة الآمنة التي تنطلق منها ابتسامة مطمئنة كهذه.
وداع صغير
قد يهمك أيضاً
اترك تعليقاً
اشترك في النشرة البريدية
اشترك معنا في النشرة البريدية ليصلك جميع اخبار المملكة العربية السعودية والعالم لحظة بلحظة على بريدك الإلكتروني.
© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.












