بعض الناس يكبرون وبعضهم لا يفعلون ذلك تمامًا تمرّ السنون على وجوههم وذاكرتهم.. لكن طفلًا يظل حيًّا في الداخل كأن العمر نسيه هناك.
وعلي مكي من أولئك الذين نسيهم الزمن عرف الصحافة والناس وجلس إلى الكبار وحاور الشعراء والمثقفين ورأى من الحياة ما كان يمكن أن يجعله حذرًا وثقيلًا وقليل الدهشة، لكنه ظل ذلك الصبي الذي يمدّ يده إلى الدنيا كل صباح كأنها لم تخذله بالأمس.
إذا أحبّ أحبَّ بقلبه كله، وإذا فرح دخل الفرح عليه من كل النوافذ، وإذا غضب اشتعل كطفل سُلبت منه لعبته ثم ينسي سريعًا سبب غضبه.
أما ضحكته فبيضاء عفوية صافية تخرج منه كالماء من عين جبل كأنها الجزء الذي لم تستطع الصحافة أن تلوّثه بالحذر.
تعلّم من الصحافة السؤال لكنه نجا من الشك وظلّ يصدّق الناس أكثر مما ينبغي ويمنحهم من قلبه أكثر مما يستحق بعضهم.
يُخذل فيحزن لكنه لا يتعلّم القسوة وهذه أجمل هزائمه.
حتى جسده حين يتعب يتعامل معه بخفة الطفل. يرسل المرض إنذاره فيحسبه تعبًا عابرًا ويمضي.
هكذا مرّت عليه جلطة دماغية من دون أن يشعر بثقلها وكأن الجسد وحده كان يعرف ما حدث بينما ظلّ الطفل في داخله يظنّها وعكة صغيرة.
وحين داهمته أزمة قلبية قابلها بضحكته البيضاء كأن قلبه المتعب يرفض أن يتخلّى عن فرحه وكأن الحياة رغم قسوتها ما زالت تستحق أن تُعاش وأن يُضحك لها.
في ذلك مفارقة مؤلمة وجميلة أن يكون القلب مريضًا وصاحبه ممتلئًا بالحياة وأن تقول الأجهزة شيئًا ويقول وجهه شيئًا آخر.
لكن الجسد أحيانًا أكثر حكمة منا يهمس قبل أن يصرخ، ولعل أصحاب القلوب الطفلة يحتاجون إلى من يذكّرهم بأنه ليس كل تعب عابر ولا كل ألم يستحق أن نضحك عليه، فالذين يحبون عليًّا يريدون لضحكته أن تبقى طويلًا
وفيه من الأطفال دهشتهم وما الصحفي في أصله إلا طفل كبر ولم يتوقف عن السؤال لماذا وكيف وماذا حدث بعد ذلك.
ظلّ عليٌّ واقفًا بين الاثنين طفلًا يحمل سؤال الصحفي وصحفيًّا يحمل دهشة الطفل، ولذلك لم تكن الأسماء الكبيرة ترعبه، كان يرى خلف الألقاب إنسانًا يمكن أن يُسأل ويُحاور وربما كانت هذه البراءة سرًّا من أسرار جرأته.
فيه أيضًا شيء من الجنوب لا يغادره.
القرية الأولى والبيوت المفتوحة والقلوب الواسعة والضحكة التي لا تحتاج إلى مناسبة.
حمل قريته معه إلى الصحافة والمدن وطاولات الحوار، فالطفل يعرف طريق البيت دائمًا.
حين أفكر في علي مكي أراه طفلًا يركض وقد تساقط من جيبه الكثير من السنوات والوجوه والصداقات والخيبات والأسفار، لا يتوقف ليلتقطها، بل يمضي إلى الأمام
في صدره قلبٌ أتعبته الحياة والمرض لكنه يظلّ مصرًّا على أن يخفق بطريقته.. قلب قد تربكه الشرايين ولا تربكه المحبة.
نحن نكبر حين نتعلم ألّا نثق ونخفي دموعنا ونحسب مقدار الحب والضحك والكلمات وعلي مكي لم يتقن هذا النوع من الكِبَر.
عرف العالم لكنه لم يسمح لقسوته أن تسكنه ورأى الخديعة ولم يصبح مخادعًا وخُذل ولم يتعلّم الخذلان
ذلك هو علي مكي..
طفلٌ كبير..
رجل مرّت الأمراض بقلبه ودماغه ومرّت الخيبات بروحه، لكن طفلًا ظلّ عصيًّا على الزمن، وكلما طرق العمر بابه أنصت قليلًا ثم عاد إلى الحياة بضحكته البيضاء ليظل علي مكي طفلًا كبيرًا.












