دخل أكثر من 400 سجين في سجن رومية المركزي، أكبر سجون لبنان، في إضراب عن الطعام احتجاجاً على تعليق تنفيذ قانون العفو العام.
اعلان
اعلان
وبحسب مصدر قضائي تحدث لوكالة “فرانس برس”، فإن نحو 400 سجين، غالبيتهم من الإسلاميين، بدأوا الإضراب في 12 سبتمبر/أيلول داخل سجن رومية الواقع شمال شرقي بيروت، اعتراضاً على قرار المجلس الدستوري تعليق تنفيذ قانون العفو العام.
وتزامن الإضراب مع تحركات من عائلات السجناء واحتجاجات في الشارع، فيما ينتظر السجناء قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن المقدم ضد القانون، والمقرر أن يُحسم خلال الفترة المقبلة.
قانون عفو بعد 35 عاماً
أقر مجلس النواب اللبناني في 12 أغسطس/آب 2026 قانوناً واسعاً للعفو العام، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ قانون العفو الصادر عام 1991، بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.
ووقّع الرئيس اللبناني جوزاف عون القانون في 4 سبتمبر/أيلول، ليصبح القانون رقم 70/2026، قبل أن يقرر المجلس الدستوري في 10 سبتمبر/أيلول وقف مفعوله مؤقتاً عقب طعن قدمه عدد من النواب.
وكان القانون قد أثار آمال آلاف السجناء وعائلاتهم بإطلاق سراحهم أو تخفيف العقوبات، لكن تعليق تنفيذه أعاد حالة عدم اليقين إلى السجون، ولا سيما بين الموقوفين الذين كانوا يعولون على أحكامه للخروج من السجن.
وبحسب القانون المنشور، يشمل العفو الجرائم المرتكبة قبل 1 مارس/آذار 2026، مع سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية المحكوم بها في الحالات المشمولة.
لكنه يستثني مجموعة من الجرائم، من بينها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصدي، وجرائم الإرهاب بحق المدنيين أو العسكريين وعناصر القوى الأمنية، إضافة إلى عدد من الجرائم العسكرية والجرائم المتعلقة بالخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو.
كما يتضمن القانون أحكاماً خاصة بالموقوفين الذين تجاوزت مدة توقيفهم 12 عاماً من دون صدور حكم، إذ ينص على إخلاء سبيلهم حكماً مع استمرار محاكمتهم وفق الإجراءات القانونية.
الإسلاميون في قلب الجدل
أحد أكثر بنود القانون إثارة للجدل يتعلق بإمكانية استفادة عدد من الموقوفين الإسلاميين منه.
ويضم سجن رومية، ولا سيما المبنى “ب”، عدداً كبيراً من الإسلاميين والموقوفين في قضايا مرتبطة بالتنظيمات الجهادية أو بتهم تتعلق بالإرهاب. وكان إقرار العفو قد فتح الباب أمام الإفراج عن عدد منهم.
ويقول مؤيدو القانون إن العفو يشكل معالجة لملف سجناء طال توقيف بعضهم لسنوات طويلة، في ظل بطء المحاكمات وأوضاع السجون الصعبة.
في المقابل، أثارت استفادة موقوفين متهمين بقضايا عنف وهجمات ضد الجيش اللبناني وتفجيرات اعتراضات سياسية وشعبية، خصوصاً من جانب أطراف ترى أن العفو لا ينبغي أن يشمل جرائم خطيرة طالت الجيش أو المدنيين.
وتقول الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إن القانون يستثني بالفعل عدداً من الجرائم، وبينها الجرائم الإرهابية بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية.
وبعد توقيع القانون، قُدم طعن أمام المجلس الدستوري، الذي قرر في 10 سبتمبر/أيلول تعليق مفعوله إلى حين البت في الطعن.
وأعاد القرار القانون إلى دائرة الجدل الدستوري والسياسي، بعدما كان السجناء قد بدأوا بالفعل انتظار تنفيذ أحكامه.
وبحسب “لوريان لو جور”، تقدم بالطعن تكتل نيابي تابع للتيار الوطني الحر برئاسة النائب جبران باسيل، قبل أن يعلّق المجلس الدستوري القانون بانتظار قراره.
ويرتبط الطعن، وفق النقاش السياسي والقانوني الدائر، بأسئلة حول مدى توافق بعض أحكام القانون مع الدستور، في وقت يرى مؤيدوه أن إقراره يمثل تسوية سياسية لمعالجة ملف السجون المتراكم.
إضراب عن الطعام والدواء
في سجن رومية، تحوّل الاعتراض على تعليق القانون إلى إضراب مفتوح عن الطعام.
وذكرت تقارير لبنانية أن أكثر من 400 سجين في المبنى “ب” شاركوا في الإضراب، فيما أفادت تقارير بأن بعض المضربين امتنعوا أيضاً عن تناول الأدوية.
وأثارت الحالة الصحية للمضربين مخاوف متزايدة، إذ نُقل أحد المشاركين في الإضراب إلى المستشفى بعد تدهور وضعه الصحي. وأظهرت مشاهد متداولة داخل السجن سجناء وهم يحملون أحد زملائهم باتجاه بوابة السجن تمهيداً لنقله لتلقي العلاج.
وبحسب المصدر القضائي الذي نقلت عنه فرانس برس، تتابع السلطات الحالة الصحية للمضربين بشكل يومي، وبينهم 80 سجيناً يعانون أمراضاً مزمنة، مع تجهيز سيارة إسعاف للتدخل في حال تدهور حالة أي منهم.
ومع استمرار الإضراب، تصاعدت تحركات عائلات السجناء خارج السجن، فيما دعت لجنة أهالي السجناء إلى تحركات في مدينة طرابلس دعماً للمضربين والمطالبة بتنفيذ قانون العفو.
أزمة اكتظاظ
لا ينفصل الجدل حول العفو العام عن أزمة أعمق يعانيها نظام السجون اللبناني منذ سنوات، تتمثل في الاكتظاظ الشديد وطول فترة التوقيف الاحتياطي وتأخر المحاكمات.
وبحسب إحصاءات مديرية السجون، بلغ عدد الأشخاص المحتجزين 6268 شخصاً حتى 30 مارس/آذار، بينما أفادت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2025 بأن نسبة الاكتظاظ في السجون اللبنانية بلغت نحو 300%.
ويعتبر مؤيدو قانون العفو أن تخفيف أعداد السجناء يمكن أن يخفف الضغط عن المؤسسات العقابية.
ويتضمن القانون أحكاماً تتعلق بتخفيض مدد بعض العقوبات بصورة استثنائية، وإطلاق سراح أشخاص تجاوز توقيفهم سنوات طويلة من دون صدور أحكام بحقهم.
كما يؤكد أنصار القانون أن العفو لا يقتصر على فئة دينية أو سياسية واحدة، بل يفترض أن يشمل سجناء من مجموعات وطوائف مختلفة، وفق الشروط والاستثناءات التي نص عليها القانون.
وتطالب قوى سياسية لبنانية منذ سنوات بإقرار قانون للعفو العام، لكن الانقسامات السياسية والطائفية حالت مراراً دون التوصل إلى صيغة تحظى بتوافق واسع.












