في خطوة تاريخية غير مسبوقة تعيد رسم خارطة التحالفات والسياسة في المنطقة، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، عن حل القوات والإدارة الذاتية الكردية بكافة تشكيلاتها العسكرية والمدنية، مؤكداً بدء اندماج قسد في الدولة السورية بشكل كامل ومباشر ضمن مؤسساتها الرسمية. وجاء هذا الإعلان المفاجئ خلال مؤتمر صحفي عقده عبدي من القصر الرئاسي في العاصمة دمشق، لينهي بذلك سنوات من الانقسام الإداري والعسكري في شمال وشرق سوريا.
مسار المفاوضات الشاقة نحو اندماج قسد في الدولة السورية
أوضح مظلوم عبدي في كلمته أمام الصحفيين أن هذا القرار لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لمفاوضات شاقة ومكثفة استمرت لعدة أشهر بين القيادات الكردية والسلطات الحكومية في دمشق. وقد أسفرت هذه الجهود الدبلوماسية عن توقيع اتفاق شامل في الحادي والثلاثين من يناير الماضي، والذي وضع خارطة طريق واضحة للدمج التدريجي لكافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية تحت مظلة الدولة السورية الرسمية.
وشدد عبدي على أن قوات سوريا الديمقراطية لم تعد قوة عسكرية مستقلة منذ الآن، قائلاً: “نعلن اليوم بكل مسؤولية حل قواتنا كقوة عسكرية مستقلة، وإنهاء مهمتها وبدء مرحلة جديدة تهدف إلى بناء سوريا موحدة وقوية”. وأشار إلى أن الهدف الأسمى من هذه الخطوة هو الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وإنهاء حالة التشرذم التي عانت منها البلاد طوال السنوات الماضية.
السياق التاريخي لظهور قسد والتحول نحو المركزية
تأسست قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أواخر عام 2015 كتحالف عسكري ضم فصائل كردية وعربية وسريانية، بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي. وعلى مدار سنوات، تمكنت قسد من السيطرة على مساحات شاسعة شرق نهر الفرات، وأسست ما عُرف بـ “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، والتي أدارت الشؤون المدنية والاقتصادية والأمنية بمعزل عن الحكومة المركزية في دمشق.
ومع تغير المعادلات الميدانية والسياسية، وتأكيد الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس دونالد ترامب على ضرورة ترتيب الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة، باتت العودة إلى حضن الدولة السورية الخيار الأكثر واقعية لضمان استقرار المنطقة وحمايتها من التهديدات الخارجية، لسيما التهديدات العسكرية المستمرة على الحدود الشمالية.
التأثيرات المتوقعة للقرار محلياً وإقليمياً
يحمل قرار حل قسد واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية على عدة مستويات:
- على الصعيد المحلي: يسهم هذا الاندماج في استعادة الدولة السورية لسيطرتها على الموارد الاقتصادية الحيوية، مثل حقول النفط والغاز والأراضي الزراعية الخصبة في الجزيرة السورية، مما يدعم جهود إعادة الإعمار وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين. كما يوحد المؤسسة العسكرية تحت قيادة واحدة.
- على الصعيد الإقليمي: يمثل هذا التطور تحولاً كبيراً في العلاقات الإقليمية، خاصة بالنسبة لتركيا التي طالما اعتبرت قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتشكل تهديداً لأمنها القومي. إن عودة الحدود السورية لسيطرة الجيش العربي السوري قد تسهم في تهدئة التوترات الحدودية وفتح آفاق جديدة للتنسيق الأمني بين دمشق وأنقرة.
- على الصعيد الدولي: يضع هذا الاتفاق حداً للمشاريع الانفصالية، ويعزز من سيادة الدولة السورية المعترف بها دولياً، مما قد يدفع المجتمع الدولي والمنظمات الأممية إلى إعادة تقييم مواقفها ودعم الحل السياسي الشامل للأزمة السورية وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة.
إن هذا التحول التاريخي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من البناء والاستقرار، ويؤكد أن الحوار السوري-السوري هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الطويل والحفاظ على وحدة البلاد ومستقبل أجيالها القادمة.
The post اندماج قسد في الدولة السورية: نهاية مرحلة وبداية عهد جديد appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












