تبدأ الحكاية في كثير من الأحيان من حيث لا يتوقع أحد؛ خلاف عائلي عابر يتسع مع الوقت ليتحول إلى قطيعة، أو مرض طارئ يصيب أحد أفراد الأسرة فيترك أثراً نفسياً عميقاً ينعكس على البيت كله، فتزداد التوترات وتتراكم الشكوك. في هذه اللحظات الحرجة، يقع الكثيرون في فخ البحث عن حلول سريعة وغيبية لتفسير معاناتهم، مما يجعل مواجهة الدجل والشعوذة ضرورة حتمية لحماية الأفراد من الوقوع ضحايا لمستغلي الآلام والمخاوف الإنسانية الذين يبيعون الوهم تحت مسميات مختلفة.
جذور تاريخية لظاهرة الدجل والبحث عن الخوارق
تاريخياً، ارتبطت ظاهرة اللجوء إلى المشعوذين والدجالين بفترات الأزمات والجهل وغياب الوعي العلمي والطبي. منذ العصور القديمة، عندما كان الإنسان يعجز عن تفسير الظواهر الطبيعية أو الأمراض العضوية والنفسية، كان ينسبها إلى قوى خفية أو سحر. ومع تطور العلوم الطبية والنفسية، تراجعت هذه المعتقدات في المجتمعات التي تبنت المنهج العلمي، بينما ظلت تنشط في البيئات التي تعاني من ضعف المنظومة التعليمية أو غياب الرعاية الصحية النفسية المتكاملة. إن فهم هذا السياق التاريخي يوضح أن الدجل ليس وليد اليوم، بل هو تجارة قديمة تتغذى على الجهل والخوف البشري المستمر.
سيكولوجية الوهم: كيف يستدرج الدجالون ضحاياهم؟
يذهب الشخص إلى الدجال وفي داخله مجرد احتمال بسيط، لكنه يجد نفسه وسط طابور من المنتظرين الذين يروون قصصاً مشابهة، مما يمنح المكان شرعية زائفة وكأن العدد دليل على الحقيقة. يعتمد “الشيخ” أو “المعالج” المزعوم على طرح أسئلة عامة جداً مثل: “هل تشعر بالضيق؟” أو “هل تعاني من أحلام مزعجة؟”، وهي أسئلة طبيعية يمر بها أي إنسان يواجه ضغوطاً حياتية. بمجرد الإجابة بنعم، يصدر الحكم الجاهز: “أنت مسحور” أو “بك مس من الجن”. هنا يتحول القلق الطبيعي إلى اتهام، ويزرع الشك بين الأقارب، وتتحول المعاناة إلى باب للتربح المالي عبر طقوس غريبة وطلبات مكلفة لا علاقة لها بالعلم أو الدين.
أهمية مواجهة الدجل والشعوذة وتأثيرها على الأمن المجتمعي
لا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على خسارة الأموال فحسب، بل تمتد لتدمير النسيج الاجتماعي والأسري. عندما يقتنع المريض بأن مرضه ناتج عن سحر قام به أحد أقاربه، تنهار العلاقات وتتفكك الأسر بناءً على أوهام زرعها مشعوذ. على الصعيد المحلي والإقليمي، يؤدي انتشار هذه الممارسات إلى تراجع الثقة في المؤسسات الطبية والعلمية، ويعيق جهود التنمية البشرية. لذلك، فإن مواجهة الدجل والشعوذة تسهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن النفسي والاجتماعي، وتوجيه الأفراد نحو الحلول العلمية والطبية الصحيحة التي تحمي صحتهم وعقولهم.
البديل العلمي: العلاج النفسي كطريق وحيد للخلاص
في كثير من الحالات، يكون السبب الحقيقي وراء الأعراض التي يمر بها الشخص هو اضطرابات نفسية أو ضغوط حياتية حادة تحتاج إلى تدخل طبيب مختص. إن زيارة الطبيب النفسي ليست عيباً ولا دليلاً على ضعف الإيمان، بل هي خطوة واعية وشجاعة نحو فهم الذات وعلاج الاضطرابات بطرق علمية مدروسة. يجب على المجتمعات محاربة الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي لتشجيع الأفراد على طلب المساعدة من أهل الاختصاص، بدلاً من الارتماء في أحضان الدجالين الذين يزرعون الوهم ثم يقدمون أنفسهم كمخلصين منه. لا تجعلوا الخوف من الوهم يمنعكم من مواجهة الحقيقة، ولا تجعلوا نظرة المجتمع تحول بينكم وبين العلاج الصحيح.
The post مواجهة الدجل والشعوذة: كيف نحمي مجتمعاتنا من تجارة الوهم؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.









