يُعتبر مرض الصرع أحد أكثر الاضطرابات العصبية المزمنة شيوعاً في العالم، وهو عبارة عن خلل مؤقت في النشاط الكهربائي للدماغ يشبه في طبيعته “عاصفة كهربائية” عابرة تؤثر على طريقة تواصل خلايا المخ. هذا الاضطراب غير المعدي يظهر على شكل نوبات متكررة من الحركات اللاإرادية التي قد تشمل جزءاً من الجسم أو الجسد بأكمله، وقد يصاحبها أحياناً فقدان مؤقت للوعي أو الإدراك. وتشير الإحصاءات الطبية إلى أن حدوث نوبة واحدة لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض، إذ قد يتعرض نحو 10% من الناس لنوبة واحدة خلال حياتهم دون أن يكونوا مصابين بالصرع فعلياً.
من الخرافة إلى العلم: التاريخ الاجتماعي والوعي حول مرض الصرع
يمتد تاريخ مرض الصرع إلى آلاف السنين، حيث يُعد من أقدم الاضطرابات العصبية الموثقة تاريخياً في السجلات الطبية للحضارات القديمة كالبابلية واليونانية. ولطالما أحاطت بهذا المرض الكثير من المفاهيم الخاطئة والخرافات التي ربطته بالسحر أو المس الشيطاني، مما تسبب في وصمة اجتماعية قاسية تلاحق المرضى وعائلاتهم حتى يومنا هذا وتؤثر سلباً على جودة حياتهم. وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور عادل علي الهزاني، استشاري المخ والأعصاب في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث ورئيس جمعية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للسكتة الدماغية، أن الصرع هو اضطراب عضوي وظيفي بحت وليس مرضاً نفسياً، ولا علاقة له بالأوهام الروحانية، مشدداً على أن الوعي المجتمعي يمثل نصف العلاج لتمكين المصابين من الاندماج الفعال والتميز كأفراد منتجين.
الأثر المحلي والعالمي لانتشار الاضطراب العصبي
على الصعيد العالمي، يصيب مرض الصرع نحو 50 مليون شخص حول العالم، ويعيش حوالي 80% من هؤلاء المرضى في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يواجهون تحديات إضافية تتعلق بصعوبة الحصول على الرعاية الصحية المناسبة والوصمة الاجتماعية والتمييز. أما على الصعيد المحلي في المملكة العربية السعودية، تشير تقديرات الجمعية السعودية لأمراض الصرع إلى وجود نحو 180 ألف مصاب، بمعدل انتشار يصل إلى 6.54 إصابة لكل ألف شخص. وتعمل وزارة الصحة السعودية بانتظام على مشاركة العالم في اليوم العالمي للصرع لرفع مستوى الوعي، مؤكدة أن 70% من المصابين يمكنهم السيطرة الكاملة على النوبات والعيش حياة طبيعية تماماً عند الحصول على التشخيص والعلاج المناسبين، رغم أن معدلات الوفاة المبكرة بين المصابين تظل أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بعموم السكان نتيجة للمضاعفات المحتملة.
تصنيف نوبات مرض الصرع وأسبابها الطبية
يوضح الدكتور صالح القرني، استشاري المخ والأعصاب، أن النوبات الصرعية تتنوع بشكل كبير في شكلها وشدتها من شخص لآخر، وتنقسم أساساً إلى قسمين رئيسيين:
- النوبات المعممة: وتؤثر على جانبي الدماغ منذ بدايتها، وتشمل النوبات التوترية الرمعية (التشنج والسقوط وفقدان الوعي)، ونوبات الغياب القصيرة (التحديق المفاجئ لثوانٍ وانقطاع التواصل)، والنوبات الارتخائية والرمع العضلي.
- النوبات البؤرية: وتبدأ في منطقة محددة من الدماغ، وقد تظهر على شكل حركات لاإرادية في الوجه أو الأطراف، أو اضطراب مؤقت في الكلام والإدراك، وقد يبقى المريض واعياً خلالها أو تتطور لتصبح نوبة معممة.
وتعود أسباب الإصابة بالمرض إلى عوامل متعددة، منها إصابات الرأس، السكتات الدماغية، الأورام، التهابات الدماغ والسحايا، والتشوهات البنيوية، واضطرابات النمو العصبي والاستقلاب، بالإضافة إلى العوامل الوراثية، في حين تظل بعض الحالات مجهولة السبب الطبي الواضح رغم التقييم الدقيق.
طرق التشخيص والخيارات العلاجية الحديثة
يعتمد الأطباء في تشخيص الحالة على التاريخ المرضي المفصل ووصف النوبات بدقة (والذي قد يساعد تصويرها بالفيديو في تمييز نوعها)، إلى جانب الفحص العصبي الشامل، وتخطيط الدماغ الكهربائي (EEG)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) المخصص للصرع، وفحوصات الدم. وفي الحالات التي لا تستجيب للأدوية المضادة للتشنج (الصرع المقاوم للأدوية بعد فشل دوائيين مناسبين)، يبرز التقييم الجراحي كخيار أساسي فعال وآمن يفوق مخاطر استمرار النوبات. وتشمل الخيارات الجراحية الاستئصال الجراحي للبؤرة المسببة، وجراحات الفصل مثل قطع الجسم الثفني، وتركيب أجهزة التحفيز العصبي مثل تحفيز العصب المبهم والتحفيز العميق، بالإضافة إلى إمكانية اتباع الحمية الكيتونية خاصة لدى الأطفال.
إرشادات ذهبية للتعايش الآمن والوقاية من النوبات
لضمان السيطرة الكاملة على المرض والحد من تكرار النوبات، يوصي الأطباء بالالتزام التام بالتعليمات التالية:
- الالتزام الدقيق بمواعيد الأدوية الموصوفة وتجنب إيقافها أو تعديل جرعاتها دون استشارة طبية، مع مراعاة مراجعة الطبيب عند ظهور آثار جانبية مثل الدوار أو التعب في بداية العلاج.
- الحصول على قسط كافٍ ومنتظم من النوم، حيث يُعد السهر واضطراب النوم من أبرز محفزات النوبات الكهربائية.
- تجنب الإجهاد والتوتر الشديد، والحد من التدخين، وتجنب الكحول والمخدرات والجفاف.
- ممارسة الرياضات الآمنة والمفيدة للصحة العامة والمزاج مثل المشي والجري الخفيف، مع توخي الحذر الشديد وتجنب السباحة دون مرافقة أو الغوص والتسلق المرتفع.
- بالنسبة للمرأة المصابة، يجب التخطيط المسبق للحمل مع الطبيب لضبط العلاج وضمان سلامة الجنين وتناول حمض الفوليك، مع العلم أن الرضاعة الطبيعية آمنة وممكنة لمعظم الأمهات، ويجب الانتباه إلى أن بعض أدوية الصرع قد تقلل من فعالية حبوب منع الحمل مما يتطلب وسيلة إضافية.
The post دليل شامل حول مرض الصرع: الأعراض، الأسباب والعلاج appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












