بقلم: يورونيوز
نشرت في
أفرجت السلطات التونسية عن رئيس بلدية الزهراء السابق محمد ريان الحمزاوي، يوم الأحد، ليغادر السجن بعد استكمال مدة العقوبة الصادرة في حقه في إطار ما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة 2”.
اعلان
اعلان
وعقب خروجه، شهدت مدينة الزهراء استقبالًا جماهيريًا واسعًا، حيث تجمع عدد من الأهالي في الشوارع، وعبّروا عن فرحتهم بعودته من خلال مظاهر احتفالية شملت إطلاق الشماريخ ومرافقة الطبول، في مشهد عكس تفاعلًا شعبيًا لافتًا مع الحدث.
كما تفاعل عديد السياسيين والنشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين أن خروج ريان الحمزاوي من السجن يعبّر عن “رسالة أمل لكل السجناء السياسيين في السجون التونسية”،على حد تعبيرهم.
واعتبر آخرون أن الاستقبال الجماهيري الذي كان في بانتظار الحمزاوي هو “خير دليل على القطع مع عديد السرديات الواهية، على غرار سردية “التآمر””، وفقهم.
وكان الحمزاوي قد صدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن لمدة 12 سنة، قبل أن تقرر المحكمة الاستئنافية تخفيض العقوبة إلى 3 سنوات سجناً، مع فرض مراقبة إدارية لمدة عامين بعد انتهاء مدة الإيقاف.
وبعد إطلاق سراحه، أفاد رئيس هيئة الدفاع عن ريان الحمزاوي، المحامي سفيان الجريبي، بأن “ريان الحمزاوي عاد إلى أهله وذويه لتُطوى صفحة ثقيلة من المعاناة ويُغلق القوس وتنتهي محنة شاب حُرم من حريته لأكثر من ثلاث سنوات، مرّت طويلة ومثقّلة بالألم والقلق والانتظار، لكنها كانت أيضًا مليئة بالإيمان والصبر والأمل في أن ينتصر الحق في النهاية”، وفق قوله.
وقال رئيس هيئة الدفاع: “هذه القضية كانت من أصعب وأعمق التجارب المهنية التي عشتها، تجربة لن أنساها بما حملته من مسؤولية وضغط وتحدّيات، ولكن أيضًا بما أبرزته من تضامن وتفانٍ وإيمان برسالة الدفاع النبيلة”.
وأضاف أن “الثلاث سنوات الأخيرة شهدت عديد الأحداث والتقلّبات، عاشت خلالها العائلة والأصدقاء وكل من آمن ببراءة ريان الحمزاوي على وقع المعاناة اليومية والترقّب الدائم. ورغم قسوة التجربة، بقي الأمل قائمًا بأن العدالة لا يمكن أن تُطفأ مهما طال الزمن”، وفق قوله.
ناشط سياسي شاب
ومحمد ريان الحمزاوي هو ناشط سياسي شاب شغل خطة رئيس المجلس البلدي بالزهراء من ولاية بن عروس، وبرز اسمه في الشأن العام خلال سنوات توليه هذه المهمة، والتي تزامنت مع أزمة كورونا.
وتلقى الحمزاوي تكوينه في المجال القانوني وعُرف بنشاطه المدني والسياسي، وشغل خطة رئيس بلدية الزهراء بداية من يونيو 2018 بعد فوزه كمرشح مستقل في الانتخابات البلدية، واستمر في المنصب إلى حين حلّ المجالس البلدية سنة 2023 بقرار من الرئيس قيس سعيّد.
تفاصيل القضية
وكانت السلطات التونسية قد أوقفت الحمزاوي في مايو 2023 ضمن ما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة” الثانية، وهي قضية منفصلة إجرائيًا عن ملف “التآمر 1″، لكنها اتسعت لاحقًا لتشمل عددًا أكبر من الموقوفين، بينهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ومديرة الديوان الرئاسي السابقة نادية عكاشة ورئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد.
وتتمحور التهم الموجهة في هذا الملف، وفق ما ورد في لائحة الاتهام، حول جرائم ذات طابع خطير استندت إلى قانون مكافحة الإرهاب والمجلة الجزائية، من بينها تكوين تنظيم إرهابي والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، ومحاولة تغيير هيئة الدولة بالقوة، إضافة إلى اتهامات تتعلق بمحاولات تجنيد عناصر داخل أجهزة حساسة، من بينها الأمن الرئاسي، بهدف جمع معلومات حول تحركات رئيس الجمهورية تمهيدًا لاستهدافه، فضلًا عن الحديث عن تحريك شبكات ونشاطات داخل أحياء شعبية في العاصمة بهدف خلق اضطرابات.
وأصدرت الدائرة المختصة بقضايا الإرهاب في يوليو 2025 أحكامًا ابتدائية وصفت بالمشددة، تراوحت بين 12 و35 سنة سجنًا، حيث نال بعض القيادات السياسية أحكامًا بالسجن الطويل، فيما صدرت في حق المتهمين الفارين من العدالة أحكام أقسى وصلت إلى 35 سنة.
وفي مرحلة لاحقة، وخلال فبراير 2026، أصدرت محكمة الاستئناف قراراتها في القضية، حيث تم تعديل بعض الأحكام وتشديد أخرى، من بينها تخفيف عقوبة الحمزاوي من 12 إلى سنوات ورفع العقوبة الصادرة في حق راشد الغنوشي إلى 20 سنة سجنًا، لتتجاوز بذلك مجموع الأحكام الصادرة ضده في ملفات مختلفة خمسين سنة.
وبحسب ملف القضية، فقد وُجهت إلى ريان الحمزاوي تهمة التواصل مع مديرة الديوان الرئاسي السابقة نادية عكاشة، التي كانت تقيم في محيط قريب منه، بهدف الحصول على معلومات تتعلق بالقصر الرئاسي وتحركات الرئيس قيس سعيّد، ثم تسريبها إلى حركة النهضة، وهو ما نفاه فريق الدفاع.
وقد أثارت هذه القضية جدلًا واسعًا في الساحة السياسية والحقوقية داخل تونس وخارجها، حيث تعتبرها أطراف معارضة وهيئات دفاع قضية ذات طابع سياسي تستهدف خصوم السلطة، وتشير إلى وجود إخلالات في مسار المحاكمة، من بينها اعتماد المحاكمة عن بعد وغياب المتهمين عن الجلسات، إضافة إلى ما تعتبره نقصًا في الأدلة المادية.
في المقابل، ترى السلطات التونسية أن هذه الملفات تندرج ضمن مسار قانوني يهدف إلى حماية أمن الدولة ومحاسبة كل من يشتبه في تورطه في مخططات تهدد الاستقرار، مؤكدة أن الإجراءات تمت في إطار القانون والدستور.
كما عبّرت منظمات حقوقية دولية عن قلقها من مجمل الأحكام الصادرة في هذا الملف، معتبرة أنها تعكس تدهورًا في معايير المحاكمة العادلة في تونس، في حين تصرّ السلطات على أن القضاء مستقل وأن ما يتم هو تطبيق للقانون في إطار مواجهة ما تعتبره تهديدات جدية لأمن الدولة.












