بقلم: يورونيوز
نشرت في
دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الخميس، السلطات التونسية إلى وضع حد لما وصفه بتصاعد القيود والإجراءات القمعية ضد منظمات المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين.
اعلان
اعلان
وأكد تورك، في بيان، أن استمرار تقليص مساحة العمل المدني وتقييد الحريات العامة في تونس يتعارض مع الضمانات التي ينص عليها الدستور المحلي، إضافة إلى التزامات البلاد الدولية في مجال حقوق الإنسان، محذرا من تداعيات هذا التوجه على الحقوق الأساسية للأفراد.
وجاء هذا الموقف الأممي عقب قرار السلطات التونسية تعليق نشاط الفرع المحلي لمنظمة “محامون بلا حدود” لمدة شهر، وذلك بعد أيام قليلة من إجراء مماثل شمل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. من جهتها، أوضحت المنظمة أنها تلقت قرار التعليق دون أن تحصل على تفاصيل واضحة بشأن أسبابه.
وفي هذا السياق، أشارت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن تبرير تعليق أنشطة منظمات المجتمع المدني في تونس يتم في كثير من الأحيان بالاستناد إلى مسائل تتعلق بالتمويل والتدقيق المالي.
كما لفت المفوض السامي إلى وجود توجه متزايد نحو استخدام إجراءات قضائية كأداة لتقييد حرية تكوين الجمعيات، مع غياب واضح لمعايير الضرورة والتناسب والشرعية التي يفترض احترامها عند فرض مثل هذه القيود.
وتطرقت المفوضية أيضا إلى تصاعد القيود المفروضة على الإعلام، مشيرة إلى حالات توقيف وملاحقات طالت صحافيين خلال الفترة الأخيرة. ومن بين هذه الحالات، توقيف الصحافي زياد الهاني أواخر الشهر الماضي على خلفية انتقادات وجهها للسلطة القضائية، واتهامه بالإساءة، وفق ما أفاد به محاميه.
وبحسب المعطيات التي أوردتها المفوضية، لا يزال الهاني موقوفا على ذمة القضية، في وقت سبق أن تم تسجيل توقيف 28 صحافيا آخرين خلال العام الماضي، صدرت في حق بعضهم أحكام بالسجن على خلفية نشاطهم المهني، استنادا إلى نصوص قانونية من بينها مرسوم يتعلق بجرائم أنظمة المعلومات والاتصال.
وفي ختام موقفه، دعا تورك إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأشخاص المحتجزين بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير، مطالبا برفع كل القيود التي اعتبرها تعسفية على حرية الرأي والتنظيم.
وشدد على أن أي تقييد للحريات الأساسية يجب أن يكون استثنائيا، واضح الأساس القانوني، ضروريا ومتناسبا مع الهدف المشروع، وغير تمييزي، مع ضمان الحق في التقاضي والرقابة القضائية الفعالة.
واعتبر أن تعزيز سيادة القانون في تونس يمر عبر تقوية الضمانات المؤسساتية، وحماية المجال المدني، وإجراء إصلاحات تشريعية شاملة تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ومنذ نهاية العام الماضي، تشهد تونس سلسلة من القرارات القضائية والإدارية التي أثارت جدلا واسعا، بعد أن شملت تعليق نشاط عدد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية البارزة لفترات متفاوتة.
ومن بين أبرز هذه المنظمات، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2015 بالشراكة مع الاتحاد العام التونسي للشغل وعمادة المحامين واتحاد رجال الأعمال.
كما شملت القرارات أيضا الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في أواخر عام 2025، إلى جانب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي يعد من أبرز الفاعلين في المجال الحقوقي والاجتماعي.
وفي السياق ذاته، طالت الإجراءات كذلك جمعية “نواة” الإعلامية، حيث تم تعليق نشاطها لمدة شهر في أكتوبر 2025 على خلفية ما اعتُبر مخالفات إدارية، إضافة إلى ورود اسم جمعية “أصوات نساء” ضمن المنظمات المشمولة بهذه القرارات.
وتبرر السلطات هذه الإجراءات في الغالب بالاستناد إلى مخالفات مرتبطة بالمرسوم عدد 88 المنظم لعمل الجمعيات، خاصة ما يتعلق بالإخلال بالالتزامات المالية والإدارية، بما في ذلك تقديم التقارير الدورية. كما تتحدث السلطات عن ضرورة تشديد الرقابة على التمويلات الأجنبية، في ظل تأكيدات رسمية على وجود جمعيات تتلقى دعما خارجيا يُشتبه في توظيفه لأغراض سياسية داخلية.
وبالتوازي مع ذلك، تم تسجيل إجراءات أخرى شملت تدقيقا جبائيا وتجميدا لبعض الحسابات البنكية الخاصة بعدد من هذه الجمعيات، في إطار ما تصفه السلطات بجهود تعزيز الشفافية والالتزام القانوني.
في المقابل، ترى منظمات المجتمع المدني أن هذه القرارات تحمل طابعا سياسيا، وتندرج ضمن مسار تضييق متزايد على الفضاء المدني ومحاولة لتقييد الأصوات الناقدة.
وقد دفعت هذه التطورات إلى موجة من الاحتجاجات والتحركات التضامنية، شاركت فيها جمعيات ونقابات مهنية، من بينها نقابة الصحفيين، التي نددت بما وصفته بمحاولات “تفكيك تدريجي” للعمل الجمعياتي عبر المسارات القضائية والإدارية.












