نشرت في
رأت مجلة “فورين بوليسي” في مقال لستيفن إم. والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، أن من أبرز سمات نهج إدارة الرئيس دونالد ترامب في السياسة الخارجية هو ثقتها المطلقة بالقوة العسكرية والاقتصادية الصلبة، إلى جانب ازدرائها شبه الكامل لما يُعرف بـ”القوة الناعمة”.
اعلان
اعلان
وعرّفت المجلة “القوة الناعمة” بأنها قدرة الدولة على جذب الآخرين وجعلهم يرغبون في تقليد الدولة أو اتباع نهجها طواعية، استنادًا إلى مبادئها ونجاحاتها، وذلك بدلًا من الإكراه بالتهديد أو القوة.
وأوضحت أن الدول التي تمتلك قوة صلبة كبيرة يمكنها إجبار الآخرين، بينما الدول ذات القوة الناعمة الوفيرة تنال نفوذًا لأن الآخرين يتفقون معها أو يرونها نموذجًا يُحتذى به.
ويعتبر الكاتب والت أنه لا ينبغي التقليل من أهمية القوة الصلبة، إذ يصعب امتلاك قوة ناعمة كبيرة دون وجود قوة صلبة تدعمها. لكنه يستدرك أنه يمكن امتلاك قوة صلبة كبيرة مع غياب شبه تام للقوة الناعمة، كما أظهرت روسيا في عهد فلاديمير بوتين. وفي الحالة المثالية، تسعى الدول لامتلاك الاثنين معًا، لأن القوة الناعمة تجعل الآخرين يميلون بطبيعتهم إلى تلبية رغباتك دون حاجة لاستخدام القوة الصلبة كثيرًا.
ويلفت إلى أن توازن واشنطن بين النوعين على مدى عقود منحها أفضلية هائلة، مما جعل الخبراء متفائلين بمستقبلها. لكن خلال ولاية ترامب الثانية، بات إيمان الرئيس بأن القوة الصلبة وحدها تكفي واضحًا جدًا. فقد استخدمت إدارته التهديد بالرسوم الجمركية لفرض اتفاقيات تجارية غير متكافئة، واستخدمت القوة العسكرية في أكثر من ست دول، واتهم ترامب قادة عالميين بالضعف، وأبلغ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه “لا يملك الأوراق”، وفرض حصارًا على كوبا، وتخلى عن الدبلوماسية ليشن حربًا غير مبررة على إيران “انطلاقًا من افتراض خاطئ بأن النظام الإيراني سينهار سريعًا”.
وأضاف والت أن اللافت في هذا التركيز على القوة الصلبة هو قلة الجهد المبذول لتبرير استخدامها أو تغليفه بشرعية أخلاقية. فالدول عادة تحاول إخفاء “قبضتها الحديدية” داخل “قفاز مخملي” من التبريرات، لكن إدارة ترامب بدت وكأنها تستمتع بانتهاك القواعد وإلحاق الأذى. فعندما يهدد الرئيس بمحو الحضارة الإيرانية، أو يتباهى وزير الدفاع بعدم الالتزام بالقانون الدولي، يصبح واضحًا أن الهدف هو الترهيب لا الإقناع، حسب قول والت.
إلى جانب ذلك، أوضح الكاتب أن هناك جهودًا “منهجية” لتقويض المؤسسات التي كانت تعزز جاذبية الولايات المتحدة، مثل تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومحاولة إغلاق “صوت أمريكا”، والانسحاب من عشرات المنظمات الدولية، وترك مواقع دبلوماسية شاغرة. كما أسهمت ممارسات داخلية، مثل مداهمات الهجرة العنيفة، والهجمات على التعليم العالي، في تقديم صورة سلبية عن أمريكا.
واعتبرت “فورين بوليسي”، أن هذه السياسات ساهمت في تراجع صورة الولايات المتحدة عالميًا مقابل تحسن صورة الصين. ورغم أن كثيرين لاحظوا هذا التراجع، فإن المثير هو تجاهل مسؤولي الإدارة له. فالإفراط في استخدام القوة الصلبة، وفق الكاتب، سيجعل الدول أقل رغبة في التعاون مع واشنطن، التي باتت تُنظر إليها على أنها متقلبة وانتقامية.
ويُفسَّر هذا النهج، وفق والت، بعدة عوامل: أولًا، تنظر الإدارة إلى العالم كصراع بين “أقوياء” و”ضعفاء”، وترى أي تسوية مع الضعفاء فشلًا. ثانيًا، رغم خطابهم الوطني، يبدو أن ترامب وأنصاره لا يحبون كثيرًا من جوانب بلدهم ويشككون في مؤسساته. ثالثًا، يفضلون النتائج السريعة القابلة للتسويق سياسيًا على الاستثمارات طويلة الأمد في بناء العلاقات.
وخلص الكاتب إلى أن التاريخ الأمريكي يُظهر أن أعظم النجاحات تحققت عبر التعاون وبناء الثقة، مثل خطة مارشال وتأسيس الناتو، في حين جاءت الإخفاقات الكبرى من الاعتماد المفرط على القوة الصلبة، كما في فيتنام والعراق وأفغانستان. ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك عناصر جاذبية، فإن استمرار تدهور الحياة السياسية وسوء استخدام القوة الصلبة، مقابل تآكل القوة الناعمة، سيجعل الحفاظ على هذه الجاذبية أكثر صعوبة في المستقبل.












