في اللحظة التي كانت فيها أسراب الطائرات الأمريكية تخترق ركود الجبهات فوق مياه الخليج والمحيط الهندي، وتنتظر إشارة التنفيذ النهائية، خرجت تغريدة حاسمة من “مارالاغو” لتعيد ضبط عقارب الساعة. لقد منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتقن سياسة حافة الهاوية، طهران “فرصة ثانية” تحت مسمى تمديد وقف إطلاق النار، لتتصدر أزمة حصار إيران المشهد السياسي العالمي مجدداً. لكن خلف الكلمات المنمقة عن الوساطة الباكستانية وانقسام القيادة الإيرانية، يكمن سؤال جوهري يحبس أنفاس العواصم من واشنطن إلى بكين: ماذا بعد هذا التمديد؟ وهل نحن أمام تسوية تاريخية أم مجرد هدوء يسبق العاصفة الكبرى؟
الجذور التاريخية لأزمة حصار إيران وتصاعد التوترات
لفهم المشهد الحالي، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للصراع الأمريكي الإيراني، والذي اتخذ أشكالاً متعددة منذ عقود. لم تكن سياسة الضغط الأقصى وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة من العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها واشنطن وحلفاؤها لتحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط والحد من طموحاتها النووية. تاريخياً، استخدمت الولايات المتحدة سلاح العقوبات لتقييد قدرة طهران على تمويل وكلائها الإقليميين، إلا أن المرحلة الحالية تشهد تحولاً جذرياً؛ حيث انتقلت الاستراتيجية من مجرد عقوبات مالية إلى تضييق عسكري مباشر على المنافذ البحرية، وهو ما يعكس رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في حسم الملف بشكل نهائي وتجريد النظام من أوراقه التفاوضية التقليدية.
دبلوماسية الخناق.. تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط
لا يمكن قراءة التمديد الثاني للهدنة بعيداً عن المشهد الميداني. فما تشهده المنطقة اليوم هو عملية «حصار الحصار»، حيث لم تكتفِ واشنطن بالعقوبات الاقتصادية، بل أطبقت الخناق العسكري المباشر على الرئة البحرية لطهران، محولة معادلة مضيق هرمز لصالحها. فبينما كانت طهران تهدد بإغلاق المضيق كورقة ضغط، جعلت الولايات المتحدة منه «طريقاً ذا اتجاه واحد» يمر منه الجميع باستثناء طهران. والسيطرة على السفينة الإيرانية الثانية خلال 24 ساعة جاءت كرسالة مشفرة تؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطبق حرفياً إستراتيجيته المفضلة: التفاوض تحت النار. هذا الضغط جعل القيادة الإيرانية «المنقسمة» تجد نفسها أمام خيارين: إما القبول بـ(إسلام آباد 2) كطوق نجاة سياسي أخير، أو المضي نحو انتحار عسكري في مواجهة آلة حرب لا تنتظر سوى إشارة الانطلاق.
وساطة إسلام آباد 2: الأهمية والتأثير الإقليمي والدولي
دخول المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على الخط يؤكد أننا أمام نسخة من (إسلام آباد 2) تجري فوق صفيح ساخن. باكستان، التي تدرك أن الحريق إذا نشب سيأكل الجميع، قدمت طوق نجاة دبلوماسياً للطرفين. تبرز أهمية هذا الحدث في تأثيره العميق على الأمن الإقليمي والدولي؛ فأي تصعيد عسكري سيؤدي إلى اضطراب هائل في أسواق الطاقة العالمية ويهدد خطوط الملاحة الدولية. على الصعيد الإقليمي، تسعى دول الجوار إلى تجنب حرب استنزاف قد تعيد رسم خريطة التحالفات. الرئيس الأمريكي يريد «صفقة القرن» بنسخة إيرانية، فهو لا يريد حرب استنزاف، لكنه يريد نصراً يبدو كالهزيمة للطرف الآخر، مما يعزز موقف واشنطن كضامن رئيسي لأمن الخليج.
الأوراق المبعثرة وشروط التفاوض المستحيلة
المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد لن تكون نزهة، فالفجوة بين الطرفين تحولت إلى صراع وجودي على النفوذ. واشنطن تطلب المستحيل في نظر طهران: تفكيك كامل للبرنامج النووي، قص أجنحة الصواريخ الباليستية، وفك الارتباط بالحلفاء الإقليميين. في المقابل، تطالب طهران بـ 120 مليار دولار من أموالها المجمدة ورفع العقوبات، فهي تدرك أن التنازل عن «حق التخصيب» يعني تجريد النظام من درعه الأخير. المقترحات الوسطية مثل «مقايضة اليورانيوم» أو نقله للخارج تبدو كمسكنات لأزمة تتطلب جراحة استئصالية.
تصدع القيادة الإيرانية.. الرهان الرابح لترامب
اللافت في خطاب الرئيس ترامب هو تركيزه على «انقسام القيادة الإيرانية». هذه الإشارة ليست عبثية، فهي تهدف إلى هز الثقة داخل المطبخ السياسي الإيراني. الحرس الثوري الذي يرى في الحصار البحري إهانة لسيادته، قد لا يصبر طويلاً على دبلوماسية التريث التي ينتهجها الجناح السياسي. وهذا التصدع هو ما يراهن عليه البيت الأبيض، فإما أن يسقط النظام من الداخل تحت وطأة الضغط الاقتصادي، أو يضطر لتقديم تنازلات كانت «محرمة» في السابق.
المسار القادم.. هدنة تكتيكية أم فخ استراتيجي؟
إن التمديد الثاني لوقف إطلاق النار ليس نهاية المطاف. فنحن نعيش في الزمن الضائع، حيث تستغل واشنطن الهدوء لتعزيز الخناق، وتستغل طهران الوقت لمحاولة فك العزلة الدولية. وفي هذا الإطار تتأرجح السيناريوهات القادمة بين مسارين: الأول، نجاح ضغوط «الحصار الهادئ» في دفع طهران نحو اتفاق إطار شامل، يمنح ترامب انتصاراً سياسياً دون إطلاق رصاصة واحدة. والثاني، انفجار المفاوضات نتيجة التشدد وعودة «لغة الصواريخ» إلى الواجهة، خصوصاً مع بقاء الحرس الثوري على أهبة الاستعداد لقلب الطاولة في اللحظة التي يشعر فيها أن الخناق وصل إلى العظم. لقد وضع ترامب إيران في «صندوق دبلوماسي» محكم الإغلاق، مفتاحه في واشنطن وتكاليف بقائه داخل الصندوق باهظة جداً. فمن المقرر في الأسابيع القادمة أن يحدد مستقبل البرنامج النووي وأن ترسم خارطة القوى في الشرق الأوسط للعقد القادم. فهل ستمتلك طهران الشجاعة لتقديم «المقترح الموحد» الذي طلبه ترامب، أم أن الانقسامات الداخلية ستجعل من المواجهة العسكرية قدراً لا مفر منه؟
The post حصار إيران: مفاوضات إسلام آباد 2 بين التسوية والانتحار appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.











