في تحول دراماتيكي مفاجئ، تبدلت المشهدية العالمية قبل 90 دقيقة فقط من تنفيذ تهديدات متبادلة بـ«إبادة الحضارة» إلى واقع دبلوماسي جديد. لقد وقف العالم مذهولاً أمام مشهد لم يتوقعه أكثر المحللين تفاؤلاً، حيث حلت هدنة الأسبوعين كطوق نجاة في اللحظات الحرجة. وفي خطوة مفاجئة، استبدل الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب لغة التصعيد العسكري والتهديد بالنار بوعود تبشر بـ«السلام الطويل الأمد». ورغم إعلان البيت الأبيض في البداية عن رفض «النقاط العشر» الإيرانية وإلقائها في سلة المهملات، وجدت واشنطن نفسها مضطرة للجلوس إلى طاولة المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بحثاً عن مخرج آمن يجنب المنطقة ويلات الانفجار الشامل.
جذور الصراع وتاريخ التوترات المتراكمة
لفهم الأهمية البالغة التي تحملها هذه التهدئة، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. تمتد جذور التوتر بين واشنطن وطهران لعقود من الزمن، تخللتها أزمات دبلوماسية معقدة، عقوبات اقتصادية قاسية، وحروب بالوكالة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. منذ انهيار الاتفاق النووي وتصاعد سياسة «الضغوط القصوى»، وصلت العلاقات إلى حافة الهاوية مراراً. هذا الإرث الثقيل من انعدام الثقة يجعل من أي تقارب، حتى وإن كان مؤقتاً، حدثاً استثنائياً. إن إعادة التموضع الاستراتيجي الذي حدث في الساعات الأخيرة لم يكن مجرد تراجع تكتيكي، بل جاء بعد إدراك كلا الطرفين أن كلفة الانفجار العسكري تتجاوز طاقة تحمل النظام الدولي المنهك أصلاً.
عقدة مضيق هرمز وإعادة صياغة قواعد الاشتباك
أثبتت طهران براغماتيتها المعهودة في هذه الأزمة؛ فهي لم تفتح مضيق هرمز كبادرة حسن نية مجانية، بل استخدمته كورقة مساومة متحركة. فتحت المضيق مبدئياً ثم عادت لتقييد الحركة فيه، في رسالة واضحة مفادها أن التحكم بهذا الشريان الاقتصادي الحيوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار التفاوض وشروطه. البنود التي قدمتها طهران، والتي تبدو تقنية في ظاهرها، هي في جوهرها محاولة لقلب الطاولة. فعقدة هرمز تحولت إلى أداة لتكريس شرعية السيطرة، حيث تعني المطالبة بـ«تنظيم الملاحة بالتنسيق مع قواتها» محاولة لانتزاع اعتراف أمريكي بدورها كشرطي للمضيق. أما المطالبة بجدولة انسحاب القوات الأمريكية، فهي تضع واشنطن في مأزق وجودي أمام حلفائها.
التأثير المتوقع لـ هدنة الأسبوعين على المشهد الإقليمي والدولي
تتجاوز أهمية هذا الحدث حدود العاصمتين لتلقي بظلالها على الساحتين الإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الدولي، يجنب هذا الاتفاق المؤقت الاقتصاد العالمي كارثة محققة تتمثل في أزمة طاقة طاحنة قد تعصف بالأسواق إذا ما أُغلق مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط. أما إقليمياً، فإن التأثير يبدو أكثر تعقيداً. فإسرائيل، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، تنظر بريبة إلى هذه التهدئة، مصرة على أن أي اتفاق مع طهران يجب أن يشمل بالضرورة وقف تحركات وكلائها في جبهات الأطراف. هذا يضع البيت الأبيض أمام تحدي الموازنة بين رغبته في التهدئة والتزاماته التاريخية بحماية أمن الإقليم. وفي هذا السياق، وضع المفاوض الإيراني عباس عراقجي العقدة في المنشار، مؤكداً أن واشنطن لا يمكنها الجمع بين التهدئة مع طهران واستمرار الحرب في لبنان.
اختبار النوايا: فراغ سياسي أم تبريد استراتيجي؟
تصطدم المفاوضات الماراثونية في إسلام آباد بمعضلة «تفسير النوايا». فالمدرسة الواقعية في واشنطن ترى أن طهران كسبت وقتاً ثميناً لإعادة تذخير ترسانتها وحماية منشآتها، بينما يراهن البيت الأبيض على أن سياسة «الصدمة والترهيب» قد جعلت المفاوض الإيراني أكثر مرونة. يدرك الرئيس ترمب أن «فن الصفقات» يتطلب خصماً منهكاً، وتعتبر هذه الهدنة بمثابة «فحص جهد» للنظام الإيراني. في المقابل، تراهن طهران على عامل الوقت لتبريد الرؤوس الحامية في البنتاغون. في النهاية، ليست هذه الهدنة شيكاً على بياض، بل هي فراغ سياسي مؤقت يختبر قدرة القطبين على التعايش فوق صفيح ساخن. يقف العالم اليوم حابساً أنفاسه، يراقب ما إذا كنا قد دخلنا عصر «التبريد الاستراتيجي»، أم أننا نعيش مجرد هدنة تقنية تسبق زلزالاً سيعيد رسم خارطة الشرق الأوسط للأبد.
The post هدنة الأسبوعين: هل تؤسس لسلام دائم أم حرب إقليمية؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.











