قال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، لقناة “يورونيوز” إن الأزمة الإنسانية في لبنان الناجمة عن استمرار الهجمات الإسرائيلية تنذر بأن تصبح شبيهة بتلك التي شهدتها غزة.
اعلان
اعلان
وأضاف رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة في برنامج المقابلات على “يورونيوز” 12 Minutes with قائلا: “أخشى فعلا أن يصبح لبنان غزة جديدة”.
وتابع: “في الواقع يراودني هذا الخوف لأن هذا تحديدا ما نسمعه الآن من بعض الوزراء الإسرائيليين الذين يستخدمون لغة عدائية متصاعدة حين يتحدثون عما ينوون فعله في لبنان”.
تتركز الهجمات الإسرائيلية في معظمها على جنوب لبنان والضواحي الجنوبية لبيروت.
وحذّر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، من أن اللبنانيين الذين هُجّروا قسرا من منازلهم لن يُسمح لهم بالعودة قبل ضمان أمن الإسرائيليين في الشمال، في موقف يعيد إلى الأذهان ما حدث في غزة.
وفي الأثناء صرّح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الضاحية الجنوبية لبيروت يمكن أن تُحوَّل إلى ما يشبه خان يونس في غزة، التي أظهرت صور الأقمار الاصطناعية العام الماضي أنها دُمّرت تقريبا بالكامل خلال حرب إسرائيل على حركة حماس.
وانزلق لبنان إلى قلب النزاع قبل نحو أسبوعين عندما شنّ “حزب الله” المدعوم من إيران غارات على إسرائيل ردا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السابق آية الله علي خامنئي في غارة جوية إسرائيلية. وقد أدت الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل إلى إصابة مدنيين وإلحاق أضرار بمبانٍ سكنية.
وتقول إسرائيل إن هذه الهجمات التي يشنها “حزب الله” تبرّر إطلاق هجوم جديد على الجماعة المسلحة، مؤكدة أنها ستواصل عملياتها حتى نزع سلاحه. واعتبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن لبنان لا يفي بالتزاماته بمصادرة أسلحة “حزب الله” وفقا لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين الجانبين في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
ويوم الإثنين، بدأت القوات العسكرية الإسرائيلية “عمليات برية محدودة ومركّزة” ضد “حزب الله” في جنوب لبنان، قائلة إنها نفذت قبل ذلك غارات جوية كثيفة وقصفا مدفعيا واسعا قبل تقدم القوات البرية إلى المنطقة.
وتسود مخاوف من أن يفضي ذلك إلى احتلال إسرائيلي جديد للجنوب، في وقت يدعو سياسيون من اليمين المتطرف داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل إلى إقامة منطقة عازلة أمنية داخل جنوب لبنان.
وتفيد السلطات اللبنانية بأن أكثر من 900 شخص قُتلوا في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية، فيما نزح أكثر من مليون شخص، أي ما يعادل واحدا من كل خمسة من سكان البلاد.
ويفر كثيرون من أوامر الإخلاء الإلزامية التي فرضها الجيش الإسرائيلي. ووفق المجلس النرويجي للاجئين، باتت هذه الأوامر الواسعة النطاق تشمل أكثر من 1.470 كيلومترا مربعا، أي نحو 14% من مساحة البلاد.
وأوحت بيانات الجيش الإسرائيلي بأن البقاء في هذه المناطق يعني اعتبار من يظل فيها هدفا مشروعا. ويُعد تصنيف منطقة ما على هذا النحو لشن هجمات واسعة وعشوائية ممارسة غير قانونية بموجب قوانين الحرب، وهي تكتيكات سبق لجيش الدفاع الإسرائيلي أن استخدمها في غزة.
وأوضح فليتشر: “الواقع أن إسرائيل أصدرت تعليمات للمدنيين بمغادرة مساحات شاسعة جدا من البلاد، وهو ما لا يترك لهم مجالا كافيا للعثور على ملاذ آمن”.
وأضاف أن الغارات الإسرائيلية دمّرت البنية التحتية المدنية، موضحا: “نرى دمارا هائلا في المناطق المدنية، ونرى أضرارا كبيرة تلحق بقطاع الرعاية الصحية مثلا. لقد أطلعني زملائي الميدانيون يوم الإثنين على عدد المستشفيات والعيادات التي أصيبت في هذه الهجمات”.
وتؤكد إسرائيل أنها تستهدف مواقع مرتبطة بـ”حزب الله”، وأنها تصدر أوامر إخلاء قبل أي عمل عسكري.
“العمل هناك بات خطيرا”
وأشار فليتشر إلى أن عمل الأمم المتحدة في لبنان وتقديم الدعم للمدنيين هناك يزداد خطورة يوما بعد يوم.
وقال: “حاولنا إرسال قافلة مساعدات إلى جنوب لبنان […] لكننا اضطررنا للعودة بسبب مستوى الخطورة. فقدنا أيضا زميلا في لبنان الأسبوع الماضي. قوات حفظ السلام موجودة هناك لمحاولة حفظ السلام حرفيا. نحن بحاجة الآن إلى خفض التصعيد من جانب جميع الأطراف”.
وانتقد رئيس لبنان، جوزيف عون، ضربات “حزب الله” على إسرائيل، ودعا في وقت سابق من هذا الشهر إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في إطار مقترح لإنهاء التصعيد المتفاقم. وتمثل هذه الدعوة المرة الأولى التي يطالب فيها لبنان بمثل هذه المفاوضات منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 إبان الحرب الأهلية اللبنانية.
ووصف فليتشر هذه الخطوة بأنها “تطور مهم للغاية”.
وأضاف: “الحكومة اللبنانية نفسها تطالب الآن بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهو ما لم يحدث في السابق”. ويرى فليتشر في ذلك مسارا محتملا نحو السلام.
وتابع: “هناك فرصة لإعادة صياغة العلاقات في المنطقة، لكن الطريق إلى ذلك يمر عبر الحوار والدبلوماسية، لا عبر مزيد من العنف الوحشي”.
ومع ذلك، يشترط لبنان وقف القتال قبل الشروع في أي محادثات مع إسرائيل، ما يقلل من فرص نجاح المفاوضات. ولم ترد إسرائيل بعد على هذه الطلبات اللبنانية بإجراء مفاوضات.
أما واشنطن، التي كرّست في عهد الرئيس دونالد ترامب دورها كوسيط رئيسي في عدد من الصراعات العالمية، فهي منشغلة اليوم بالحرب الأوسع وبانعكاساتها على الاقتصاد العالمي.
وفي الأثناء، يشير فليتشر إلى أن الحاجة إلى المساعدات الإنسانية تتصاعد بشكل هائل، في وقت تواجه فيه منظمات الإغاثة عراقيل متزايدة.
ويقول: “لدينا أزمة أخرى ناجمة عن عجزنا عن تمرير بضائعنا عبر مضيق هرمز”. فإغلاق هذا الممر البحري الحيوي يدفع أيضا إلى ارتفاع تكلفة الأسمدة، وبالتالي إلى زيادة أسعار الغذاء.
وأوضح: “الناس يتحدثون عن عواقب غير متوقعة لهذا الصراع، لكنها كانت متوقعة إلى حد كبير. نحن نعلم إلى أي حد نعتمد على مضيق هرمز للحركة التجارية ولإيصال المساعدات الإنسانية إلى عدد كبير من الأماكن التي نعمل فيها”.
وأضاف: “منذ استئناف هذا الصراع في أنحاء الشرق الأوسط، بات وصولنا إلى غزة مثلا مقيّدا. لا يزال هناك معبر واحد فقط مفتوح، وهذا يعني دخول عدد أقل من الشاحنات، ومساعدات أقل، وطعام أقل، ومياه أقل، ومأوى أقل”.
وتفاقم التخفيضات الأخيرة في التمويل من تآكل قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة. ففي الأشهر الأخيرة أعلنت الولايات المتحدة أنها ستقدم فقط ملياري دولار من المساعدات الإنسانية للأمم المتحدة، في تراجع حاد عن ما يصل إلى 17 مليار دولار كانت توفرها في السنوات الماضية، كما انسحبت من 31 كيانا تابعا للأمم المتحدة.
وختم قائلا: “الوضع صعب للغاية. نحاول إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح من دون أي استقرار أو ضمان لتدفق الأموال. ولهذا أجد نفسي طوال الوقت في أفغانستان وجنوب السودان وأوكرانيا ودارفور، أرى مشاريع أعلم أنها ستتوقف، وألتقي أناسا أعلم أنهم سيلقون حتفهم”.












