منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا نفقًا مظلما بسبب الفوضى الأمنية والسياسية، إذ تحوّلت الميليشيات المسلحة إلى قوة دائمة تهيمن على مفاصل الدولة ومؤسساتها. ومع تعثر مسار الانتقال الديمقراطي، برزت هذه التشكيلات كأطراف فاعلة لا يمكن تجاهلها، فحوّلت المشهد الليبي إلى صراع على مناطق النفوذ والثروات، وأصبح السلاح اللغة الأكثر حضورا وأداة في يد من يريد تقرير مصير البلاد.
اعلان
اعلان
وفي هذا السياق، تُثار سلسلة من الأسئلة: كيف نشأت هذه الميليشيات؟ وما حجمها وقدراتها العسكرية؟ ومن يقف وراء تمويلها؟ وكيف تؤثر على مؤسسات الدولة الرسمية وما مدى سيطرتها على القرار السياسي والاقتصادي في ليبيا؟
“من الظاهرة المؤقتة إلى القوة الدائمة”
في تصريحات ليورونيوز، شدّد الصحفي الليبي محمد شحات على أن الميليشيات المسلحة في ليبيا “لم تعد مجرد ظاهرة فرضتها ظروف الحرب بعد سقوط نظام القذافي، بل تحوّلت إلى قوة دائمة تهيمن على المشهد السياسي والأمني”.
وفي السنوات الأولى بعد سقوط النظام، كانت هذه التشكيلات بمثابة أدوات طارئة للحماية المحلية أو لتحقيق أهداف محددة في سياق الصراع المسلح. لكن، ومع فشل الدولة في بناء مؤسسات عسكرية وأمنية موحّدة، اكتسبت هذه الميليشيات قدرة على فرض إرادتها، وأصبحت لاعبًا في إدارة النزاعات السياسية والاقتصادية، وليس مجرد طرف في الصراع المسلح.
وأكد شحات أن استمرار نفوذ الميليشيات يعكس هشاشة الدولة الليبية التي وقعت في فخّ الانقسام المؤسساتي والسياسي، حيث تحوّل السلاح سريعًا إلى سلطة موازية. وسيطرت هذه التشكيلات على مواقع استراتيجية، ما منحها القدرة على فرض الأمر الواقع والتأثير المباشر على القرار السياسي، سواء على مستوى العاصمة طرابلس أو في مناطق أخرى من البلاد.
وساهمت طبيعة هذه الميليشيات في ترسيخ نفوذها، إذ نشأ معظمُها على أسس محلية مرتبطة بالمدينة أو الحي، وليس على أسس قبلية تقليدية. واعتمدت غالبيتها على مصالح اقتصادية ونفعية أكثر من أي انتماء سياسي أو إيديولوجي.
وبحسب شحات، فإن هذا الواقع جعل الميليشيات عنصرًا بنيويًا في الأزمة الليبية. فهي جزء من النظام السياسي غير الرسمي، تؤثر في البرلمان والمصارف والمؤسسات السيادية، وتفرض قيودًا على اتخاذ القرار السياسي، ما يجعل أي محاولة لإعادة الدولة إلى مسار الانتقال الديمقراطي أو الاستقرار الأمني رهينة بإعادة حصر السلاح بيد الدولة.
فسيفساء السلاح.. لكل منطقة بندقيتها
تشير تحليلات الصحفي محمد شحات في حديثه إلى أن المشهد الليبي بعد سقوط القذافي يتميز بتنوع كبير في طبيعة الميليشيات وأسس نفوذها، التي تختلف باختلاف المناطق الجغرافية والظروف المحلية والسياسية.
من أبرز هذه التشكيلات:
- جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب الذي يسيطر على مطار معيتيقة والمجمعات الحكومية
- اللواء 444 قتال المعني بتأمين جنوب طرابلس ومناطق جنوب شرقي العاصمة وترهونة
- جهاز دعم الاستقرار المسؤول عن حماية المقرات الرسمية والمشاركة في العمليات القتالية
- كتيبة فرسان جنزور المسيطرة على الضاحية الغربية لجنزور
- اللواء 111 مجحفل الذي يضم عناصر من مصراتة ويؤمن محيط مطار طرابلس.
كما تعمل أجهزة الشرطة القضائية والأمن العام على تأمين السجون والمناطق الحيوية، وتنسق مع باقي الأجهزة لضمان السيطرة على العاصمة.
غرب ليبيا: ميليشيات شبه رسمية
في غرب ليبيا وبشكل خاص العاصمة طرابلس ومحيطها، ظهرت ميليشيات ذات طابع يُعرف بـ”المُمَأسس شكليًا”. وتعمل هذه التشكيلات تحت مسميات رسمية وتُنسب نظريًا إلى وزارات أو أجهزة أمنية، لكنها تحتفظ في الواقع باستقلالية كاملة على المستوى العسكري والمالي.
وقد نشأت معظمها على أسس محلية مرتبطة بالمدينة أو الحي، وليس على أساس قبلي تقليدي، ما أعطاها قدرة على التحكم في المناطق التي نشأت فيها وتحويلها إلى نقاط قوة استراتيجية.
ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه التشكيلات إلى شبكات نفوذ تمسك بمواقع حساسة، مثل المطارات والسجون والمقار الحكومية، وهو ما عزز قدرتها على فرض موازين القوة داخل العاصمة.
ويقوم نشاطها بدرجة كبيرة على اعتبارات اقتصادية تتجاوز الاصطفافات السياسية أو الإيديولوجية، حيث ترتبط بالرواتب والعقود والتحكم في مفاصل الإدارة والأمن وتأمين الأنشطة التجارية، ضمن ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد نفوذ مسلح” يكرّس حضورها واستمراريتها.
مسلّحو مصراتة
في مصراتة، يبدو المشهد مختلفًا نسبيًا إذ تتسم التشكيلات المسلحة هناك بدرجة أعلى من التنظيم وقدرة ملحوظة على التعبئة السريعة عند المنعطفات الكبرى. فمنذ عام 2011، شكّلت المدينة رافدًا بشريًا وتنظيميًا مهمًا للقوى المسلحة، ما منحها ثقلًا معتبرًا في التوازنات الليبية.
ومضى شحات في حديثه موضحًا أن نشاط هذه المجموعات يستند أساسًا إلى رابطة المدينة وإلى الخبرة القتالية التي راكمتها خلال سنوات النزاع، فضلًا عن قدرتها على دعم حكومات معينة أو إعادة تشكيل توازنات القوى في غرب البلاد. ومع ذلك، لا تنضوي هذه التشكيلات ضمن مؤسسة عسكرية موحدة أو قيادة مركزية مستقلة، بل تظل أقرب إلى شبكة قوى متقاربة تتداخل مصالحها في الإطارين المحلي والوطني.
شرق ليبيا
وفيما يتعلق بشرق البلاد، قال شحات إن القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية تحت قيادة خليفة حفتر قد نجحت في بناء نموذج أكثر تنظيمًا مقارنة ببقية المناطق، مع ميليشيات وألوية محلية جنوبية.
وشكّلت الميليشيات قوة عسكرية ذات هرمية واضحة، استمدّت شرعيتها السياسية من مجلس النواب، وضمّت عناصر من مناطق الجنوب، ما ساعدها على بسط نفوذ أمني أوسع داخل نطاق السيطرة الشرقية.
وساهمت القيادة العامة في تأمين الحدود الشرقية والجنوبية، و”الحد من التهريب والإرهاب”، وتقليص نشاط شبكات الاتجار بالبشر، ما انعكس في مستوى من الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق أخرى.
ورغم الطابع المركزي، لم تُلغِ هذه البنية ارتباط القوة العسكرية بالسياسة، كما لم تنفصل عن شبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بالمنافذ والموارد.
جنوب ليبيا
في الجنوب، تتخذ التشكيلات المسلحة طابعًا مختلفًا، حيث تتداخل الأمن والهوية الجغرافية والقبلية، مثل بعض الألوية المحلية. ونشأت هذه المجموعات أساسًا لحماية مناطقها وتأمين الطرق والمصالح المجتمعية، لكنها سرعان ما انخرطت في صراعات مرتبطة بالموارد والحدود والتهريب. ومع مرور الوقت وتعقد المشهد السياسي في ليبيا، أصبحت هذه التشكيلات جزءًا من شبكة نفوذ أوسع، ترتبط أحيانًا بالقوى المسيطرة في الشمال وفق منطق التحالفات المرحلية والمصالح المشتركة، لا وفق ولاءات ثابتة أو هياكل مؤسسية مستقرة.
ويشير شحات إلى أن هذا التنوع الجغرافي والسياسي للميليشيات يجعل أي محاولة لإعادة الدولة الليبية إلى مسار الاستقرار أكثر صعوبة، إذ تختلف أولويات كل مجموعة بحسب موقعها وأصولها، ما يجعل الملف الأمني والسياسي مترابطًا بشكل وثيق مع شبكة مصالح معقدة تغطي البلاد بأكملها.
التمويل والتسليح والتأثير في مؤسسات الدولة
بعد عام 2011، كان عدد المقاتلين في ليبيا نحو 11 ألفًا، وسرعان ما توسع ليصل إلى حوالي 260 ألفًا بحلول نهاية 2013، نتيجة ضعف الدولة وتزايد التمويل الخارجي والداخلي.
لكن اليوم، وبحسب الصحفي محمد شحات فإن الأرقام الدقيقة حول حجم المقاتلين غير متوفرة، إذ تتغير عضوية هذه التشكيلات باستمرار بحسب التمويل والاصطفافات السياسية والظروف الأمنية، كما أن العديد من المنتسبين مسجلون شكليًا ضمن أجهزة الدولة أو يتحركون بين أكثر من كيان، ما يجعل إحصاء أعداد نهائية غير ممكن.
وأوضح المتحدث أن مصادر التمويل متعددة ومتداخلة: فمن جهة، تتلقى العديد من الميليشيات رواتب ومخصصات من الدولة بحكم إدماجها الشكلي في مؤسسات أمنية أو عسكرية، ومن جهة أخرى تعتمد على أساليب غير رسمية تشمل الجباية وفرض الحماية على الأنشطة الاقتصادية، والسيطرة على المرافق والموانئ، إضافة إلى التهريب والأنشطة غير القانونية. وفي بعض الحالات، تحصل هذه التشكيلات على دعم خارجي غير مباشر مرتبط بالصراعات الإقليمية والدولية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل السيطرة عليها صعبة.
على صعيد التسليح، يستخدم معظم المقاتلين الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والعربات المسلحة، فيما تظهر أسلحة أثقل خلال فترات التصعيد داخل المدن، بما في ذلك المدفعية والصواريخ قصيرة المدى.
كما توسّع استخدام الطائرات المسيّرة ووسائل الاتصالات المتقدمة، في ظل سهولة الحصول على معدات ذات استخدام مزدوج، ما يعزز القدرة العسكرية والتكتيكية للميليشيات ويجعلها قوة ضاغطة في أي مواجهة سياسية أو أمنية.
ويرى شحات أن تأثير هذه الميليشيات على مؤسسات الدولة الليبية “عميق وبالغ الخطورة”. فالبرلمان يتحرك في بيئة تحددها ميزان القوى المسلحة، ما يقلص مساحة الفعل الديمقراطي ويزيد هشاشة مؤسسات الدولة.
أما المصرف المركزي والمؤسسات السيادية الأخرى، فتعمل تحت ضغط الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية، حيث تُفرض عليها قيود عملية تؤثر على قدرتها في إدارة الموارد والمالية العامة.
ويختتم الصحفي حديثه بالقول إنه، نتيجة لذلك، أصبحت الميليشيات، تسيطر جزئيًا على القرار السياسي والاقتصادي، وتحدّد معالم الصراع على السلطة والثروات، وتفرض واقعًا يجعل أي محاولة لإعادة الدولة إلى مسار الانتقال الديمقراطي أو الاستقرار الأمني رهينة بمعالجة ملف السلاح وتفكيك شبكات النفوذ المتشابكة.
تجدر الإشارة إلى أن ليبيا أصبحت ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، حيث تدعم تركيا الحكومة والميليشيات في غرب البلاد، فيما تدعم روسيا والإمارات ومصر قوات حفتر والميليشيات المتواجدة في الشرق.
ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، فقد كانت نحو 70% من عائدات النفط بين 2021 و2024 تحت سيطرة ميليشيات مدعومة خارجيًا.












