بقلم: يورونيوز
نشرت في
دخلت قوات الأمن الداخلي السورية مدينة الحسكة شمال شرقي البلاد اليوم، في خطوة تمثّل أول تطبيق ميداني لاتفاق أمني شامل أبرمته الحكومة السورية مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بحسب ما أفادت به وكالة الأنباء السورية (سانا).
وانطلقت صباح اليوم أرتال أمنية من مدينة الشدادي باتجاه الحسكة تمهيداً لدخولها، بينما أفادت قناة “الإخبارية السورية” بدخول قوى الأمن الداخلي إلى منطقة الشيوخ جنوبي مدينة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشرقي، في إطار تنفيذ البنود الأمنية ذاتها.
وأفادت وسائل إعلام محلية بوقوع انفجار كبير في المنطقة الجنوبية من الحسكة، دون الكشف عن طبيعته أو حصيلته. وشهد سماء المدينة تحليقاً مكثفاً لطائرات التحالف الدولي على ارتفاع منخفض، في مؤشر على المتابعة الدقيقة لسير تنفيذ الاتفاق.
وانتشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر لحظات الأولى لدخول المحافظة ورفع العلم السوري على دوائرها الحكومية التي بدأت الحكومة السورية استلامها من قوات سوريا الديمقراطية.
تعليمات داخلية لضبط العملية الأمنية
ووجّه العميد مروان العلي، قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، تعليمات صارمة لوحداته خلال استعدادها لدخول المدينة، شدّد فيها على ضرورة تنفيذ المهام وفق الخطط المقررة، والتقيد التام بالقوانين، وضمان الانضباط في الإجراءات، وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة.
ونقلت قناة الجزيرة عن مصدر حكومي سوري قوله إن قوات قسد لن تعود إلى الحواجز التي أخلتها في مداخل الحسكة، مؤكداً أن الشرطة العسكرية السورية ستتولى مهامها في تلك النقاط.
بنود الاتفاق المؤرخ في 29 يناير
وكان الجانبان قد أعلنا يوم الجمعة 30 يناير/كانون الثاني عن توصلهما إلى “اتفاق شامل” يتضمّن وقف إطلاق نار دائم وبدء عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية. وبحسب المعلومات التي نقلتها صحيفة “المجلة” فإن مسودة الاتفاق التي استند إليها البيان الصحفي مؤرخة في 29 يناير/كانون الثاني، أي قبل يوم من الإعلان الرسمي عنها.
وتنص المسودة، التي تتألف من 14 بنداً وتُنفّذ على خمس مراحل، على ما يلي:
في المرحلة الأولى، يُعلن وقف إطلاق نار دائم وشامل، ويُوقف كل نشاط أمني من قبيل الاعتقالات والمداهمات المرتبطة بالأحداث الأخيرة، مع استمرار قسد في حماية سجون تنظيم “داعش” وتقديم الدعم اللوجستي لعمليات الإخلاء الجارية.
وفي إطار الانسحاب العسكري، تغادر قوات قسد مدينتي الحسكة والقامشلي إلى ثكنات متفق عليها، مقابل انسحاب الجيش السوري فوراً إلى بلدة الشدادي جنوب الحسكة.
دمج عسكري تحت سلطة الدولة
تشمل الترتيبات تشكيل فرقة عسكرية جديدة لمحافظة الحسكة من قبل وزارة الدفاع السورية، يتم ضمنها دمج قوات قسد في ثلاثة ألوية. كما يُدمج اللواء العسكري في كوباني ضمن هيكل لواء يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب.
وسيتم تعزيز الأمن في الحسكة والقامشلي بإدخال 15 آلية أمنية لكل من المدينتين، إلى جانب بدء عملية دمج قوات الأمن التابعة لقسد ضمن وزارة الداخلية السورية.
تعيينات مشتركة واستلام المواقع الحيوية
يتضمّن الاتفاق تعيين محافظ للحسكة بترشيح من قسد، وقائد للأمن في المحافظة بترشيح من الحكومة السورية، ومعاون لوزير الدفاع بترشيح من قسد.
كما تستلم الحكومة السورية مواقع استراتيجية، أبرزها حقول رميلان والسويدية النفطية، عبر وزارة الطاقة، ومطار القامشلي عبر هيئة الطيران المدني، مع دمج الموظفين المدنيين العاملين فيها.
سيطرة على المعابر ودمج المؤسسات المدنية
سيُرسل فريق من هيئة المنافذ البرية إلى معبري سيملكا ونصيبين لتثبيت الموظفين المدنيين ومنع استخدام المعبرين لإدخال أسلحة أو أجانب، مع التفعيل الفوري لعملهما.
كذلك، تستلم الحكومة جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة، وتدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الهياكل الرسمية للدولة، مع تثبيت وضع الموظفين المدنيين القائمين.
التزامات دائمة تشمل التعليم والعودة
يحظر الاتفاق دخول أي قوات عسكرية إلى المدن والبلدات، خاصة في المناطق الكردية. كما يُصادق على جميع الشهادات المدرسية والجامعية الصادرة عن الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.
وسيتم ترخيص المنظمات المحلية والثقافية والإعلامية وفق القوانين الناظمة، والعمل مع وزارة التربية لمناقشة المسار التعليمي الخاص بالمجتمع الكردي ومراعاة خصوصيته.
وأخيراً، يلتزم الطرفان بتأمين عودة جميع النازحين إلى مناطقهم الأصلية، بما في ذلك عفرين والشيخ مقصود ورأس العين (سري كانه)، وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات الجديدة.
تعثّر سابق في تنفيذ الاتفاق واندلاع اشتباكات
بعد أشهر من التبادل العلني للاتهامات، وانهيار اتفاق سابق كان مقرراً إنجازه بنهاية 2025، تدخل قوات الأمن الداخلي السورية اليوم مدينة الحسكة في خطوة تمثّل اختراقاً نادراً في علاقة ظلّت مضطربة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وكان الطرفان قد تبادلا الاتهامات بإفشال الاتفاق المبرم في 10 مارس/آذار، قبل أن تتصاعد الخلافات إلى اشتباكات عنيفة، رافقتها اتهامات متبادلة حول هروب عشرات السجناء من سجون يُفترض أن تكون تحت حراسة مشددة.
قسد: من حليف واشنطن إلى طرف في مفاوضات الدولة
خلال ذروة الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، شكّلت قسد ــ التي تقودها الوحدات الكردية وتنضم إليها فصائل عربية ــ العمود الفقري للحملة البرية المدعومة أمريكياً.
ونجح هذا التحالف في تفكيك البنية العسكرية للتنظيم داخل سوريا، ليتحوّل بعدها إلى قوة سيطرت على أغلب الحقول النفطية في الشمال والشرق، وأقامت إدارة ذاتية في تلك المناطق، واحتجزت آلاف المقاتلين السابقين في سجونها.
لكن المشهد تغيّر جذرياً بعد سقوط نظام بشار الأسد. فمع تشكيل السلطات الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، أعلن الطرف الحكومي الجديد عن مشروع وطني لا يقبل التجزئة: توحيد البلاد تحت سلطة مركزية واحدة. وبدأت مفاوضات مباشرة مع قيادة قسد لدمج قواتها ومؤسساتها في الهيكل الرسمي للدولة.
ما بدأ كحوار تقني تحول سريعاً إلى مأزق سياسي. وتعثّرت المحادثات مراراً، حتى انفجرت في مواجهة مسلحة كادت تُعيد شرق سوريا إلى دائرة العنف. لكن الطرفين، بعد حسابات دقيقة، اختارا العودة إلى الاتفاق، وهذه المرة ببنود أكثر تفصيلاً وواقعية.
وفي خطوة لم يسبق لها مثيل منذ استقلال البلاد عام 1946، أصدر أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني الجاري مرسوماً يمنح الكرد حقوقاً وطنية شاملة. ونص المرسوم على اعتبار السوريين الكرد “جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري”، ورفع اللغة الكردية إلى مرتبة “لغة وطنية”.
وبموجب القرار نفسه، سيُمنح كل من يقيم على الأراضي السورية من أصول كردية الجنسية السورية تلقائياً. كما سيُدرَّس الكردية في المدارس الرسمية لأول مرة في التاريخ الحديث، ويُعلن عيد النوروز (21 مارس/آذار) عطلة رسمية وعيداً وطنياً.











