بقلم: يورونيوز
نشرت في
سجّلت مستشفيات قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة وفيات متكررة لأشخاص أصحاء ــ لم تكن لديهم أمراض سابقة ــ بعد إصابتهم بفيروس تنفسي مجهول، وفق مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية.
ويتفشى الفيروس في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، بعد أكثر من عامين من الحرب والحصار، حيث باتت حتى نزلات البرد سبباً للوفاة بسبب نقص الأدوية، انعدام التشخيص، وانهيار المناعة الناتج عن مجاعة طالت 77% من السكان، وفق تقارير الأمم المتحدة.
ووصف أبو سلمية، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، الأعراض بأنها تمتد لنحو 14 يوماً، وتشمل حمى شديدة، صداعاً حاداً، آلاماً في المفاصل، قيئاً، وصعوبات تنفسية تتطوّر بسرعة إلى التهاب رئوي قاتل.
وأوضح أن الفيروس لم يُحدَّد بعد ــ سواء كان إنفلونزا متحورة أو سلالة جديدة من كورونا ــ بسبب غياب القدرات المخبرية.
وأكد أن الوفيات لم تعد تقتصر على الأطفال وكبار السن، بل طالت أشخاصاً أصحاء، ما يعكس “شراسته” وخطورته في بيئة صحية منهارة.
مستشفيات تُعاد هيكلتها تحت الضغط
وفي محاولة يائسة لاستيعاب الموجة المتزايدة من المرضى، أُعيد توظيف مستشفيات متخصصة، مثل الرنتيسي ــ الذي كان مركزاً للأطفال المصابين بالسرطان وأمراض الكلى ــ لاستقبال حالات عدوى تنفسية وهضمية، بعد تدمير معظم المرافق المتخصصة، وفق تقرير “ميديل إيست آي”.
وأشار التقرير إلى أن اشغال الأسرّة وصل إلى 200%، بينما اقتصر العلاج في الحالات الحرجة على الأكسجين، لغياب التغذية الوريدية والأدوية المنقذة للحياة.
وكشفت بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، التي نقلها “ميديل إيست آي”، أن حالات الطوارئ في المستشفيات ارتفعت بنسبة 200% تقريباً، مع هيمنة أعراض تنفسية، حمى عالية، فقدان وزن شديد، وألم في المفاصل. وارتفعت حالات الالتهاب الرئوي الشديد، ما دفع آلاف المرضى إلى العناية المركزة، وسُجّلت وفيات متعددة.
ويشهد القطاع نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية، إذ تجاوز العجز 70% في بعض الأصناف، بحسب أبو سلمية. ونفد عدد كبير من المضادات الحيوية، وأدوية الأمراض المزمنة (الضغط، السكري، القلب)، إضافة إلى أدوية السرطان وغسيل الكلى، وحتى الأدوية النفسية.
وأشار “ميديل إيست آي” إلى أن 55% من الأدوية الأساسية و71% من المستلزمات الطبية غير متوفرة، ما يعيق حتى تقديم الرعاية الأولية.
مناعة منهارة في بيئة مثالية للعدوى
ويعيش 77% من سكان غزة في حالة انعدام أمن غذائي حاد، وفق تقارير الأمم المتحدة التي استشهد بها “ميديل إيست آي”، ما أدّى إلى تدهور مناعة السكان، خصوصاً الأطفال وكبار السن.
وأوضح المفوض العام لوكالة “أونروا”، فيليب لازاريني، أن سوء أوضاع المياه والصرف الصحي داخل مراكز الإيواء المكتظة، إلى جانب الانهيار الواسع للنظام الصحي، يشكّل “بيئة خصبة” لانتشار الأمراض. وأشار إلى أن الاكتظاظ، تسرب الخيام، وتلوث المياه ساهمت في تسريع العدوى.
ورغم مرور أكثر من 100 يوم على وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، لم يُستَعَد الحد الأدنى من الخدمات الصحية، بحسب أبو سلمية، الذي طالب الوسطاء الدوليين بـ”ممارسة ضغط جدّي” لرفع القيود عن إدخال الأدوية والمواد الغذائية ومواد الإعمار.
وحذّر من أن استمرار الوضع يعني مزيداً من الوفيات المباشرة (بالفيروس) وغير المباشرة (بنقص الدواء)، مشيراً إلى أن “العديد من الأرواح كان يمكن إنقاذها لو توفرت الإمكانيات”.
حملة تطعيم استدراكية
وبدأت “أونروا”، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومنظمة الصحة العالمية وشركاء محليين، الجولة الثانية من حملة تطعيم استدراكية تستهدف الأطفال دون سن الثالثة، الذين حُرموا من اللقاحات الأساسية على مدار عامين من الحرب، وفق تصريحات لازاريني.
وأكد أن فرق الوكالة تعمل “في ظروف بالغة الخطورة” لإنقاذ الأرواح، مجدّداً الدعوة إلى “رفع القيود فوراً والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية والطبية بشكل عاجل”.
وخلال عامين من الحرب، قُتل أكثر من 71,500 شخص، وأُصيب أكثر من 170,000، وفق “ميديل إيست آي”. وفُرض حصار شامل أدّى إلى مجاعة طالت مئات الآلاف، بينما دُمرت أو استُهدفت جميع المستشفيات والعيادات تقريباً.
وفي هذا السياق، باتت الوفاة بسبب أمراض بسيطة “أمراً متكرراً”، في كارثة صحية وصفها التقرير بأنها “كان يمكن تجنّبها لو توفرت أبسط مقومات الرعاية والغذاء”.











