مقدمة: صوت فلسطين الخالد
تُعد قصيدة “لستُ أحفل بالمتاهة” واحدة من الأعمال الشعرية العميقة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يُعتبر رمزاً من رموز الأدب العربي الحديث وصوت القضية الفلسطينية الأبرز في المحافل الدولية. نُشرت هذه القصيدة ضمن أعماله المتأخرة التي شهدت تحولاً في أسلوبه من الخطاب المباشر والمقاوم إلى التأمل الفلسفي والوجودي، حيث يغوص الشاعر في أعماق الذات الإنسانية متجاوزاً حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة، ليلامس هموماً إنسانية عالمية.
في هذه القصيدة، يتناول درويش مفاهيم معقدة مثل المعنى، الذاكرة، المنفى، والبحث عن وطن، ليس فقط ككيان جغرافي، بل كحالة استقرار روحي ونفسي. إنها تمثل مرحلة النضج الفكري التي وصل إليها الشاعر، حيث لم تعد المتاهة (رمز الضياع والتعقيد السياسي) هي شغله الشاغل، بل أصبح همه الأكبر هو البحث عن الخلاص الفردي ومعنى الوجود في ظل الفوضى المحيطة.
نص القصيدة: لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
يَصْطادُكَ المَعْنى
تُحاصِرُكَ القَصيدَةُ
ثُمَّ تَهْرُبُ صَوْبَ ما أَلِفَتْهُ ذَاكِرَةُ الخُطُوبِ
وكُلَّما سَيَّجْتَ ذاكِرَةً تَلَقَّفَكَ البَعيدُ
خُذْ مِنْ ظِلالِكَ خَوفَكَ الواهي
وخُذْ جَمْرَ احْتِمالِكَ
فالظِّلالُ يَخونُها جَسَدٌ طَريدُ
وإذا نَقَشْتَ جُلودَ عُمْرِكَ في العَراءِ المَحْضِ
خُذْ وَطَناً؛
فَإِنَّ العُمْرَ بِيدُ
غَيْباً صَحِبْتُكَ يا نَشيدُ
وكُنْتُ فِيكَ أُرَاوِغُ الفَوضى القَديمَةَ
أو أُرَاوِغُ آخَراً يَرْمي بِأَحْجَارِ النُّبوءَةِ في السِّلالِ
فَفِيمَ تَتْرُكُني وَحِيداً يا نَشِيدُ؟!
سَأَفُكُّ قَيْدَ وِشَايَةٍ عَلِقَتْ بِحَبَّاتِ الرِّياحِ
وأَحْتَمي بالبَابِ والأَقْفَالِ والدُّورِ الكَسيحَةِ
فالوِشَايَةُ سَوْفَ يَحْمِلُها البَرِيدُ
سأقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:
كُنْتُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
قَبْلَ أَنْ تَلِجَ المتاهَةُ دَرْبَنا الليْلِيَّ
ثُمَّ أقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:
لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
بعد أَنْ كَفَرَ المُرِيدُ
وغداً إذا أَلْقَيْتَ موسيقَاكَ في صَحْراء موحِشَةٍ
تَأَمَّلْ صَوْتَكَ المَبْحوحَ في حُزْنِ الكَمَانِ
وصَوْتَكَ المَبْحوحَ في إيقَاعِ أُغْنِيَةٍ
ورَتِّلْ ما يُحاوِلُهُ الحَزِينُ وما يُحاوِلُهُ السَّعِيدُ
واخْلَعْ نِعَالَكَ قَبْلَ أَنْ تَطَأَ السَّلالِمَ
رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ هَشاشَةٌ
أو رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ رَتابَةٌ
في الحالَتَيْنِ سَلالِمُ المَوْتى تَحِيدُ ولا تَحِيدُ.
الأهمية والسياق: من المقاومة إلى الوجودية
تكمن أهمية هذه القصيدة في أنها تعكس تطور فكر محمود درويش. فبعد عقود من كتابة “شعر المقاومة” الذي ارتبط باسمه، بدأ درويش في استكشاف أبعاد جديدة للوجود الإنساني. “المتاهة” هنا ليست فقط متاهة السياسة والصراع الفلسطيني، بل هي متاهة الحياة نفسها، والبحث عن اليقين في عالم مليء بالشكوك. عندما يقول “لستُ أحفل بالمتاهةِ بعد أن كفر المريد”، فهو يعلن عن حالة من التعب الفلسفي والتحرر من الأيديولوجيات التي لم تعد تقدم إجابات شافية، سواء كانت سياسية أو فكرية.
التأثير العالمي لشعر درويش
لم يكن تأثير محمود درويش محلياً أو إقليمياً فقط، بل امتد ليشمل العالم بأسره. تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية العالمية. لقد نجح درويش في تحويل التجربة الفلسطينية من مجرد قضية سياسية إلى ملحمة إنسانية عن فقدان الوطن والبحث عن الهوية، وهو ما جعل شعره يتردد صداه لدى كل من عانى من الظلم أو شعر بالغربة في هذا العالم. قصائد مثل “لستُ أحفل بالمتاهة” تساهم في ترسيخ هذا البعد العالمي، حيث يجد القارئ من أي ثقافة صدى لمشاعره الخاصة في كلمات الشاعر عن الضياع، الذاكرة، والأمل الخافت.
The post تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












