في خضم موجة الحر التي تضرب المنطقة خلال صيف 2026، تحوّل نبع مياه كان يروي أراضي زراعية فلسطينية في قرية فصايل بمنطقة الأغوار إلى مقصد للسباحة يرتاده مستوطنون إسرائيليون، ضمن ما تقول تقارير دولية إنه نمط متكرر من الاستيلاء على مصادر المياه في الضفة الغربية.

اعلان


اعلان

ويعتمد الفلسطينيون في فصايل على النبع منذ أجيال لري محاصيلهم، بينها الباذنجان والكوسا والبطيخ، فضلًا عن استخدام مياهه كمصدر بديل يعوض النقص الناجم عن عدم انتظام إمدادات المياه الإسرائيلية إلى منازلهم.

لكن هذا الواقع تغيّر في يونيو/حزيران الماضي، عندما استولى مستوطنون على أنبوب الري العائد للمزارع الفلسطيني سعد نمر، وحوّلوا مسار المياه نحو مسبح قديم يقع داخل موقع أثري.

ولم يمض وقت طويل حتى بدأ المستوطنون الترويج للمكان باعتباره وجهة سياحية، في وقت حظي فيه المشروع بدعم مالي معلن من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن عبر منصة “تلغرام” تخصيص استثمار بقيمة 3 ملايين شيكل، أي نحو مليون دولار، لترميم الموقع وتطويره تحت اسم “برك هيرودس”.

ويقول المستوطنون إن المسبح يعود إلى الملك اليهودي هيرودس، الذي عاش في الحقبة التوراتية، إلا أن عالم الآثار الإسرائيلي ألون أراد، من منظمة “عيمق شافيه” الحقوقية، شكك في هذا الربط التاريخي، مؤكدًا أن أصل الموقع وتاريخه لا يزالان غير واضحين، وفق ما نقلت وكالة “رويترز”.

وقال أراد إن علم الآثار يُستخدم في حالات عديدة لخلق شعور بأن الضفة الغربية “يهودية حصريًا”، مضيفًا أن ملء المسبح بالمياه يلحق أضرارًا بالموقع الأثري.

خسائر تتراكم

بالنسبة إلى سعد نمر، كانت تبعات تحويل المياه مباشرة وقاسية، فقد جفت حقوله وبيوته البلاستيكية التي كان يفترض أن تكون في ذروة إنتاجها خلال فصل الصيف، ولم يعد قادرًا على زراعة أرضه التي كانت تنتج الباذنجان والكوسا والبطيخ.

ويقول نمر إن قطع المياه تسبب له ولغيره من المزارعين بخسائر كبيرة، ويهدد بحرمان عائلات عديدة من أعمالها ومصادر رزقها.

كما أفاد بأن أحد العاملين لديه تعرض للضرب على يد مستوطنين، بينما واجه هو نفسه تهديدات عندما حاول الاقتراب من النبع، وذلك منذ نحو عامين.

وفي الجهة المقابلة، قال المستوطن الإسرائيلي يشاي شرايبر، البالغ من العمر 21 عامًا، والذي التقت به “رويترز” أثناء وجوده في المسبح، إن الوجود الإسرائيلي الكثيف في المكان بات كافيًا لردع الفلسطينيين عن الاقتراب.

وقال شرايبر إن الفلسطينيين يخشون المجيء إلى المنطقة بسبب تجمع أعداد كبيرة من اليهود فيها، مضيفًا أن الضفة الغربية تعود إلى الشعب اليهودي، وأن على الفلسطينيين مغادرتها إذا كانوا لا يريدون قبول السلطة اليهودية.

لكن نمر قدم إلى “رويترز” وثائق يقول إنها تثبت ملكيته للأرض، بينها وثيقة ملكية صادرة عام 2025 عن “كوغات”، وهي الوكالة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنفيذ السياسات المدنية في الأراضي المحتلة، إضافة إلى خريطة تعود إلى عام 1957، أي قبل الاحتلال، تظهر أن أرضه كانت تشمل النبع والمسبح.

95% من ينابيع شمال الأغوار تحت سيطرة المستوطنين

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن مستوطنين إسرائيليين هاجموا ما لا يقل عن 160 موقعًا للمياه والصرف الصحي في الأراضي الفلسطينية خلال العام الجاري.

ويقدّر الباحث الفلسطيني فارس فقها أن المستوطنين باتوا يسيطرون على نحو 95% من الينابيع في شمال الأغوار، ما أدى، بحسب قوله، إلى دفع مجتمعات فلسطينية إلى النزوح عن أراضيها.

وفي قرية قُصرة القريبة من نابلس، كان مستوطنون يحاصرون ثلاثة منازل، بعد أن قطعوا عنها المياه والكهرباء.

وقال عادل ياسين، المسؤول في سلطة المياه الفلسطينية، إن استهداف مصادر المياه يهدف إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم.

ووصف ياسين ما يجري بأنه “حرب مياه”، قائلًا: “إنها الرصاصة الصامتة التي تقتل الفلسطينيين من دون صوت”.

ولا تزال بعض الينابيع الطبيعية متاحة للفلسطينيين، من بينها ينابيع وادي الباذان قرب مدينة نابلس، التي كانت حتى وقت قريب مقصدًا للعائلات الفلسطينية للتنزه والاستمتاع بالمياه الجارية.

وفي يوليو/تموز، كانت عائلات تجلس إلى طاولات بلاستيكية موضوعة في مجاري المياه الضحلة، بينما تضع أقدامها في المياه الجارية.

لكن مئات المستوطنين تدفقوا إلى المنطقة في وقت سابق من هذا الصيف، وجلسوا إلى الطاولات وتجولوا داخل أحواض المياه، بحسب خمسة فلسطينيين.

وقال نظام فارس، صاحب متنزه للينابيع الطبيعية في الباذان، إن السكان لم يعودوا يشعرون بالأمان خلال زيارتهم للمكان.

وأضاف: “أصبح الناس خائفين ومتوترين. يأتون ويسألون: هل سيأتي المستوطنون أم لا؟”.

عائلات عالقة ومساعدات تصطدم بأكثر من 900 عائق

وفي قُصرة، وثقت الأمم المتحدة عدم تمكن العاملين في المجال الإنساني والبلدية من الوصول إلى ثلاث عائلات فلسطينية عالقة داخل منازلها منذ الثلاثاء، بعد أن عزلتها بؤرة استيطانية أُقيمت بالقرب من منازلها، بالتزامن مع تشديد القيود على الوصول إلى المنطقة.

وقالت دانييلا غروس دي ألميدا، المتحدثة المساعدة باسم الأمم المتحدة، إن جهود حماية الفلسطينيين لم تكن ناجعة، مشيرة إلى أن مستوطنين أعادوا، وفق تقارير، نصب خيمة كانت القوات الإسرائيلية قد فككتها في اليوم السابق.

وفي السياق ذاته، أعلنت الأمم المتحدة أن شبكة تضم أكثر من 900 عائق مادي، تشمل الحواجز وبوابات الطرق وإغلاقاتها وغيرها من القيود، تعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في الضفة الغربية المحتلة، وتؤخر عمليات الإغاثة وتحد من قدرة العاملين الإنسانيين على الوصول إلى السكان.

وفي قطاع غزة، يواصل العاملون في المجال الإنساني تقديم المساعدات الحيوية رغم استمرار القيود الأمنية وصعوبة العمل الميداني.

وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 12 حادثة خلال الأسبوع الماضي تسببت في نزوح سكان وفقدانهم ممتلكاتهم، ما أثر على نحو 290 أسرة.

وتشهد الضفة الغربية توسعا استيطانيا واسعا تشرف عليه الحكومة الإسرائيلية اليمينية، في وقت يقول فيه سموتريتش صراحة إن سياسات الاستيطان تهدف إلى دفن فكرة إقامة دولة فلسطينية.

وتحظى الدولة الفلسطينية باعتراف أكثر من 150 دولة من أصل 193 دولة عضوًا في الأمم المتحدة، على أن تشمل قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم الحكومات المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب القانون الدولي المتعلق بالاحتلال العسكري.

وكانت إسرائيل قد استولت على الضفة الغربية خلال حرب عام 1967.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version