بقلم: Chaima Chihi & يورونيوز

نشرت في

أنهى ديفيد برنياع ولايته التي استمرت خمس سنوات على رأس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الخارجية (الموساد)، وهي فترة تُوصف بأنها من أكثر المراحل حساسية وتعقيدًا في إسرائيل.

اعلان


اعلان

ووفقًا لتقرير موسّع نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، فإن الجهاز شهد خلال هذه الفترة تغييرات في أساليب عمله، حيث انتقل، بحسب ما يورده التقرير، من إدارة عمليات محدودة ومركزة إلى نمط يقوم على تعدد الساحات وتداخل الأدوار الاستخباراتية مع العمليات العسكرية.

وبحسب ما ينقله التقرير عن مصادر أمنية إسرائيلية، فإن هذه المرحلة ارتبطت بتكثيف العمل الاستخباراتي في أكثر من اتجاه، خصوصًا تجاه إيران ولبنان وساحات أخرى تعتبرها إسرائيل مرتبطة بما تسميه “محور التهديدات الإقليمية”. ويشير التقرير إلى أن هذا التغيير شمل إعادة تعريف لطبيعة دور الموساد، بحيث بات أكثر ارتباطًا بالعمليات ذات الطابع العسكري المباشر أو الداعم لها.

ويعرض التقرير جملة من العمليات التي تُنسب إلى الجهاز خلال فترة برنياع، من بينها عمليات داخل إيران خلال عام 2025، إضافة إلى عمليات استهدفت قيادات في حزب الله في لبنان.

وفي هذا السياق، يورد التقرير رواية إسرائيلية موسعة حول عملية اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في بيروت في سبتمبر/أيلول 2024. وبحسب التفاصيل، فإن الضربة التي استهدفت مقرًا تحت الأرض تابعًا للحزب في الضاحية الجنوبية للعاصمة نُفذت عبر قصف جوي مكثف، تزامن مع معلومات دقيقة جُمعت مسبقًا عبر شبكة من المصادر البشرية والتقنية.

وأسفرت العملية أيضا عن مقتل عدد من القادة العسكريين، من بينهم مسؤولون كبار في البنية العسكرية للحزب.

ويشير التقرير إلى الاعتماد على عملاء محليين في لبنان، وُصفوا بأنهم ينتمون إلى البيئة الميدانية نفسها وليسوا عناصر إسرائيلية تقليدية. وبحسب الرواية، فإن بعض هؤلاء العملاء تحركوا في مناطق كانت قد تعرضت لقصف إسرائيلي قبل دقائق فقط. ويشير التقرير إلى أن غرفة قيادة الموساد كانت تتابع هذه التحركات لحظة بلحظة.

وفي ما يتعلق بالنظام الإيراني، يتناول التقرير نقاشًا داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية حول إمكانية توظيف قوى كردية في أي مواجهة مستقبلية مع إيران، استنادًا إلى تجارب سابقة في العراق خلال مرحلة إسقاط نظام صدام حسين. ويشير التقرير إلى أن هذا الطرح كان يفترض دعمًا جويًا ولوجستيًا مكثفًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك توفير غطاء جوي مستمر، إضافة إلى تسليح وتدريب مجموعات كردية وإقليمية أخرى في المنطقة.

وبحسب المصادر نفسها، فإن الخطة كانت تهدف إلى خلق ضغط داخلي متعدد الجبهات على النظام في طهران عبر مكونات قومية مختلفة، إلا أن هذه المقترحات واجهت اعتراضات وتباينات داخل الإدارة الأمريكية، حيث قيل أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يوافق على تنفيذ العملية.

ويشير التقرير أيضًا إلى أن النقاش داخل إسرائيل لم يكن محسومًا، إذ أبدت جهات عسكرية شكوكًا حول قدرة هذه المقاربة على النجاح، في مقابل تقديرات داخل الموساد اعتبرت أن الاعتماد على قوى محلية ليس جديدًا، وأن تجارب سابقة في عمليات داخل إيران أثبتت قدرةهذا النهج.

وفي ما يتعلق بمستقبل إيران السياسي، ينقل التقرير عن مصادر إسرائيلية تقديرات تفيد بأن النظام الإيراني قد يواجه ضغوطًا داخلية قد تؤدي إلى تغييرات كبيرة خلال عام واحد، إذا استمرت الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفي المقابل، يحذر التقرير من أن أي تخفيف للعقوبات أو تغيير في سياسة الضغط قد يمنح النظام قدرة على إعادة التماسك وتعزيز موارده.

كما يطرح التقرير روايات متباينة حول طبيعة السلطة داخل إيران، مشيرًا إلى جدل داخل الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية بشأن من يقود فعليًا الدولة بعد التطورات التي شهدتها البلاد، مع طرح اسم مجتبى خامنئي دون وجود إجماع نهائي على ذلك داخل الأوساط الاستخباراتية.

وفي ملف البرنامج النووي الإيراني، يسلط التقرير الضوء على منشأة تعرف باسم “بيك آكس ماونتن”، والتي تُوصف بأنها منشأة تحت أرضية شديدة التحصين يُعتقد أنها أعمق من منشأة فوردو النووية. ويشير التقرير إلى أن هذه المنشأة تُقلق لدى الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب صعوبة استهدافها جويًا.

وبحسب ما يورده التقرير، فإن خيار تنفيذ عملية برية واسعة داخل إيران لاقتحام أو تدمير منشآت نووية مثل فوردو أو غيرها كان مطروحًا في بعض النقاشات العسكرية، لكنه رُفض لاحقًا بسبب تقديرات تشير إلى ارتفاع مستوى الخسائر وتعقيد التنفيذ واحتمال انزلاقه إلى مواجهة طويلة الأمد. وبدلًا من ذلك، جرى التركيز على الضربات الجوية والعمليات الاستخباراتية المركبة.

كما يناقش التقرير أسباب عدم تنفيذ الموساد لعملية برية واسعة داخل إيران تستهدف البرنامج النووي، مشيرًا إلى أن أحد أبرز التقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كان يتعلق بصعوبة الحفاظ على سرية شبكة عملاء واسعة داخل إيران في حال تنفيذ عملية بهذا الحجم، إضافة إلى مخاوف من كشف البنية الاستخباراتية.

كما يشير إلى أن أولويات الجيش الإسرائيلي بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ساهمت في تقليص القدرة على دعم أي عملية ميدانية واسعة النطاق داخل إيران.

وفي سياق داخلي آخر، يتطرق التقرير إلى نقاشات حول مستقبل القيادة في الموساد، وتحديدًا تعيين رومان غوفمان رئيسًا جديدًا للجهاز، وهو تعيين كان محل خلاف داخلي، حيث أبدى برنياع في مرحلة سابقة تحفظات عليه قبل أن يعلن لاحقًا دعمه الكامل له بعد قرار قضائي نهائي.

كما يلفت التقرير إلى أن برنياع، رغم مغادرته المنصب، لا يزال يحتفظ برؤيته الخاصة بشأن إيران وحزب الله، بما في ذلك ضرورة استمرار الضغط متعدد الأبعاد، سواء الاقتصادي أو العسكري أو الاستخباراتي، مع تحذيره من أن أي تخفيف كبير للضغوط قد يغيّر موازين القوى الإقليمية.

ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن برنياع، مع نهاية ولايته، يترك جهاز الموساد في مرحلة تعتبر من الأكثر حساسية في تاريخه الحديث، وسط تحولات استراتيجية كبرى في طبيعة عمله، وارتفاع مستوى الارتباط بين الاستخبارات والعمليات العسكرية المباشرة، إلى جانب نقاش مفتوح داخل إسرائيل حول حدود هذا الدور ومستقبله في السنوات المقبلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version