بقلم: يورونيوز

نشرت في

نددت الصين بتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو المتعلقة بأحداث ساحة تيانانمن عام 1989، معتبرة أنها تتضمن تشويهًا للحقائق التاريخية وتدخلاً في الشؤون الداخلية الصينية، في وقت انضمت فيه تايوان إلى الجدل بدعوات موجهة إلى بكين للاعتراف بتلك الأحداث ومواجهتها تاريخياً.

اعلان


اعلان

وقال روبيو في بيان صدر الأربعاء إن الرقابة في الصين لا يمكن أن تمحو ذكرى ما وصفه بالقمع الذي طال الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في الرابع من يونيو/حزيران 1989؟ وأضاف روبيو أن من “ضحّوا بحياتهم دفاعاً عن حقوقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي” سيُنصفون في المستقبل.

وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع إحياء الذكرى السنوية لتلك الأحداث في الأوساط الحقوقية خارج الصين.

وتعود وقائع الرابع من يونيو 1989 إلى تدخل القوات الصينية لإنهاء احتجاجات طلابية مؤيدة للإصلاح السياسي في بكين ومحيط ساحة تيانانمن، حيث استخدمت القوات المسلحة العتاد العسكري، بما في ذلك الدبابات وإطلاق النار، لفض التجمعات، وسط استمرار غياب حصيلة رسمية نهائية للضحايا، وحظر واسع لأي نقاش علني داخل البر الرئيسي الصيني حول ما جرى.

وفي رد رسمي، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ إن بكين ترفض تصريحات روبيو، مؤكدة أن الحكومة الصينية توصلت منذ فترة طويلة إلى “استنتاج واضح” بشأن تلك الاضطرابات التي وقعت أواخر ثمانينات القرن الماضي.

وأضافت أن الموقف الأميركي “يشوّه الحقائق التاريخية ويشوّه سمعة النظام السياسي الصيني ومسار التنمية في البلاد”، معتبرة أنه يمثل تدخلاً في الشؤون الداخلية للصين.

كما اتهمت بكين الولايات المتحدة باستغلال ملف حقوق الإنسان والديمقراطية للتدخل في شؤونها الداخلية، والدفاع عما وصفته بـ“مسار الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”.

وفي سياق متصل، أفادت تقارير بأن السلطات الصينية شددت هذا العام القيود على عائلات ضحايا أحداث 1989، بما في ذلك منع بعضهم من زيارة المقابر، في حين واصلت السلطات في هونغ كونغ تقييد أي فعاليات عامة مرتبطة بذكرى الساحة، مع انتشار أمني مكثف قرب حديقة فيكتوريا، التي كانت تستضيف تجمعات سنوية قبل فرض قانون الأمن القومي في 2020، إضافة إلى تسجيل توقيفات محدودة خلال المناسبة.

ومن خارج الصين، برزت مواقف تايوانية بالتزامن مع الذكرى، حيث دعا الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي إلى الاعتراف بالوقائع التاريخية المرتبطة بأحداث تيانانمن، مشيراً إلى ضرورة مواجهة الماضي وفتح المجال أمام الحوار والمصالحة، ومؤكداً أن الدول القوية لا ينبغي أن تعتمد على القوة العسكرية أو النزعات العسكرية في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية.

ولم يصدر تعليق رسمي من بكين على التصريحات التايوانية، في حين تواصلت المواقف المتبادلة بين الجانبين حول ذكرى أحداث الرابع من يونيو وتداعياتها السياسية والحقوقية.

وتُعد أحداث ساحة تيانانمن عام 1989، والتي تُعرف في عدد من المراجع بـ”مجزرة الرابع من يونيو”، من أبرز المحطات الحساسة في التاريخ السياسي الصيني الحديث، حيث انطلقت كحركة احتجاجية طلابية سلمية قبل أن تنتهي بقمع عسكري واسع أثار ردود فعل دولية كبيرة.

بدأت خلفية الأزمة في أواخر الثمانينيات، خلال مرحلة إصلاحات اقتصادية قادها الزعيم دينغ شياو بينغ، والتي أسهمت في فتح الاقتصاد الصيني لكنها أدت أيضاً إلى تحديات اجتماعية، من بينها ارتفاع معدلات التضخم، وصعوبة الحصول على فرص عمل للخريجين، وتزايد قضايا الفساد داخل مؤسسات الدولة.

وجاءت الشرارة المباشرة للاحتجاجات عقب وفاة هو ياوبانغ في أبريل 1989، وهو قيادي سابق في الحزب الشيوعي عُرف بمواقفه الإصلاحية، ما دفع آلاف الطلاب إلى التجمع في ساحة تيانانمن وسط بكين لتأبينه، قبل أن تتحول التجمعات تدريجياً إلى مظاهرات سياسية تطالب بإصلاحات في النظام، من بينها حرية التعبير والصحافة ومكافحة الفساد.

ومع اتساع نطاق الحركة، انضم إليها طلاب وعمال ومواطنون من مختلف الفئات، وبلغ عدد المتظاهرين في ذروتهم قرابة مليون شخص داخل الساحة ومحيطها. وفي نهاية مايو، لجأ المحتجون إلى الإضراب عن الطعام تزامناً مع زيارة رسمية قام بها الرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، ما وضع القيادة الصينية تحت ضغط إعلامي دولي واسع. كما شهدت الساحة إنشاء تمثال رمزي أطلق عليه اسم “إلهة الديمقراطية”، وُضع في مواجهة صورة ماو تسي تونغ المعلقة في الميدان، في تعبير عن مطالب المحتجين.

في ليلة الثالث إلى الرابع من يونيو 1989، اتخذت السلطات الصينية قراراً بفرض الأحكام العرفية، وبدأ الجيش الصيني بالتقدم نحو بكين باستخدام الدبابات والقوات المسلحة لإخلاء الساحة. وأفادت تقارير بأن القوات استخدمت الذخيرة الحية في بعض المناطق المحيطة، فيما جرى تفكيك مخيمات المعتصمين بالقوة. وتبقى حصيلة الضحايا محل خلاف، إذ تشير تقديرات حقوقية وشهادات إلى سقوط مئات أو ربما آلاف القتلى والجرحى، بينما تقول الرواية الرسمية الصينية إن العدد كان أقل بكثير ويشمل مدنيين وعناصر من قوات الأمن.

وفي اليوم التالي للأحداث، برز مشهد “رجل الدبابة” الذي وقف بمفرده أمام رتل عسكري في أحد شوارع بكين، ليصبح لاحقاً أحد أشهر الرموز العالمية للاحتجاج السلمي، رغم أن هويته ومصيره ما زالا غير معروفين حتى اليوم.

وأدت تلك التطورات إلى ردود فعل دولية شملت فرض قيود وعقوبات على الصين من قبل عدد من الدول الغربية، بينما اتجهت بكين لاحقاً إلى تشديد قبضتها السياسية والتركيز على النمو الاقتصادي كأولوية داخلية.

ومنذ ذلك الحين، تفرض السلطات الصينية رقابة صارمة على أي ذكر للأحداث داخل البلاد، بما في ذلك الحظر الرقمي والتاريخي لرموز مرتبطة بتاريخ الرابع من يونيو، إلى جانب غيابها شبه الكامل عن المناهج الدراسية الرسمية.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version