بقلم: يورونيوز
نشرت في
في عام واحد فقط من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، عاد استخدام القوة الجوية الأمريكية إلى الواجهة بوتيرة تكاد تعادل ما شهدته الولايات المتحدة طوال أربع سنوات كاملة في عهد سلفه جو بايدن. هذا ما كشفه إحصاء حديث أجرته منظمة “أكليد” غير الحكومية، المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة وأعمال العنف حول العالم، والذي أبرز تصاعد في عدد الضربات الجوية الأمريكية وانتشارها الجغرافي، إلى جانب تداعياتها الإنسانية والسياسية.
وبحسب بيانات المنظمة، نفّذ الجيش الأمريكي منذ تولي ترامب ولايته في 20 يناير/كانون الثاني 2025 ما مجموعه 672 ضربة جوية، بما في ذلك هجمات بالطائرات المسيّرة.
ويقترب هذا الرقم بشكل كبير من إجمالي الضربات التي نُفذت خلال رئاسة جو بايدن بأكملها، والتي بلغت 694 ضربة بين عامي 2021 و2025.
من صعدة إلى أصفهان
تُظهر الإحصاءات أن الضربات الأمريكية لم تتركز في ساحة واحدة، بل توزعت على عدة مناطق تشهد توترات أو نزاعات مزمنة. فقد استحوذ اليمن على ما لا يقل عن 7% من إجمالي الغارات خلال العام الماضي، معظمها في إطار عمليات استهدفت جماعة الحوثي.
وأطلق على الحملة العسكرية الواسعة على اليمن اسم “الفارس الخشن”، وشملت الضربات الجوية تدمير رادارات الحوثيين ومنظومات الدفاع الجوي ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في صنعاء وتعز والحديدة وصعدة، باستخدام طائرات من حاملة الطائرات “هاري إس. ترومان” وطائرات هجومية ومسيرات مسلحة من قواعد إقليمية. وجاءت العملية ردًا على هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، واعتبارًا لفشل الجهود الدبلوماسية في تحييد التهديد الحوثي، مسببة خسائر بشرية ومادية كبيرة قبل أن تدخل في مسارات سياسية وعسكرية معقدة.
وفي الصومال، شكّلت الغارات الجوية الأمريكية نحو 2% من إجمالي الضربات، وتركزت بشكل أساسي على حركات مسلحة تنشط في البلاد، وفي مقدمتها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، إضافة إلى مجموعات موالية لتنظيم “الدولة الإسلامية”.
وفي موازاة الصومال، امتدت العمليات الجوية الأمريكية إلى دول أخرى. ففي نيجيريا، نفذت الولايات المتحدة ضربات محدودة استهدفت مجموعات مسلحة مرتبطة بتنظيم “داعش” في غرب أفريقيا، وذلك في إطار دعم القوات النيجيرية في مواجهة الجماعات المتطرفة شمال شرقي البلاد.
أما في سوريا، فقد واصلت واشنطن شن غارات ضد مواقع لتنظيم “داعش” في البادية السورية، إضافة إلى ضربات قالت إنها جاءت رداً على هجمات استهدفت قواعد تضم قوات أمريكية.
وفي ما يخص إيران، أخذ التدخل الأمريكي بعداً بالغ الحساسية، حيث نفذت الولايات المتحدة سلسلة ضربات جوية فجر 22 يونيو/حزيران 2025، ضمن عملية عسكرية أطلقت عليها اسم “مطرقة منتصف الليل”. واستهدفت هذه الضربات المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، بما في ذلك منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم، ومنشأة نطنز النووية، إضافة إلى مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي في أصفهان.
وجرت العمليات بالتنسيق الكامل مع إسرائيل، في سياق تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران وما يُعرف بالحرب الإيرانية–الإسرائيلية.
حادثة فنزويلا والحرب على التهريب
ومن بين الضربات التي رصدتها منظمة أكليد، تلك التي نفذتها طائرات أمريكية على الدفاعات الجوية الفنزويلية خلال عملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني 2025.
وخلّفت هذه العملية جدلاً واسعاً على الصعيد الدولي، إذ اعتبرها كثير من المراقبين انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً لسيادة دولة ذات اعتراف دبلوماسي. وأكد الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستتحكم مؤقتًا في شؤون فنزويلا لضمان انتقال آمن للسلطة، فيما أبرز البيت الأبيض أن هذه الخطوة تهدف إلى مواجهة النفوذ الإقليمي الذي تعتبره واشنطن معارضًا لمصالحها. وركزت الرواية الأمريكية على الجانب الأمني والسياسي للعملية، معتبرة أنها جزء من جهودها لضبط التهديدات في نصف الكرة الغربي، دون الإقرار بأي خرق رسمي للسيادة الفنزويلية.
وفي سياق مختلف، لم تقتصر العمليات الأميركية على ساحات النزاعات المسلحة المعروفة، بل توسعت لتشمل مكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
فمنذ سبتمبر/أيلول 2025، نفذت الولايات المتحدة ضربات جوية ضد قوارب قالت إنها تُستخدم لنقل المخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، مستهدفة شبكات تهريب دولية تربط أميركا اللاتينية بالأسواق العالمية.
وعلى المستوى الإنساني، تسببت هذه الضربات في مقتل أكثر من ألف شخص، بينهم مدنيون، وفق إحصاء “أكليد”.
ورغم أن الإدارة الأميركية غالباً ما تؤكد سعيها لتقليل الخسائر بين المدنيين، فإن هذه الأرقام تعيد إلى الواجهة الانتقادات الموجهة للضربات الجوية، خاصة تلك التي تعتمد على الطائرات المسيّرة، لما تحمله من مخاطر الخطأ في تحديد الأهداف أو الاعتماد على معلومات استخباراتية غير دقيقة.
وتؤكد منظمة “أكليد” أنها تعتمد في إحصاء الضربات والضحايا على جمع بيانات من مصادر متعددة تعتبرها موثوقة، من بينها وسائل إعلام، ومؤسسات رسمية، وشركاء محليون على الأرض.

