نشرت في
تتبع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ أشهر نهجاً يقوم على تصعيد التهديدات العسكرية ضد إيران، قبل العودة إلى منح الدبلوماسية فرصة جديدة، في إستراتيجية باتت تتكرر مع كل منعطف رئيسي في الحرب الدائرة بين البلدين، إلا أن هذا الأسلوب، الذي يصفه مراقبون بأنه يقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط ثم التراجع في اللحظة الأخيرة، يواجه تحدياً متزايداً مع القيادة الإيرانية التي تبدو مقتنعة بقدرتها على امتصاص هذا النوع من الضغوط.
اعلان
اعلان
ووفقاً لتقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس، فإن ما جرى خلال الأيام الأخيرة لا يمثل تحولاً جديداً في سياسة ترامب، بل يأتي امتداداً لنهج اعتمده مراراً منذ اندلاع الحرب قبل خمسة أشهر، يقوم على إطلاق تهديدات حادة بعمل عسكري واسع، قبل إعلان تعليق التصعيد وإفساح المجال أمام المفاوضات.
تهديدات عسكرية.. ثم فسحة للدبلوماسية
وخلال أحدث فصول هذا النهج، أعلن ترامب قبل أيام أنه بات يفقد ثقته في مسار المفاوضات مع طهران، ولوّح بتوجيه ضربات أمريكية “قوية للغاية” ضد أهداف إيرانية، في تصريحات عززتها لاحقاً المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، التي أكدت أن إيران ستواصل دفع ثمن رفضها الانخراط في مفاوضات بالشروط التي تراها الإدارة الأمريكية مناسبة.
لكن المشهد تبدل سريعاً مع نهاية الأسبوع، عندما أعلن الرئيس الأمريكي عبر منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي تعليق خطة تنفيذ ضربات عسكرية واسعة، مشيراً إلى ظهور مؤشرات على إحراز تقدم في الاتصالات السياسية.
وأوضح ترامب لاحقاً أن قراره جاء بعد طلبات من مسؤولين إيرانيين “لم يكشف عن هوياتهم” إلى جانب تدخل قادة دول خليجية، وفي مقدمتها السعودية وقطر والإمارات، الذين دعوا إلى منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت مع اقتراب فرص التوصل إلى اتفاق.
إيران تراهن على عامل الوقت
بحسب التقرير، فإن إستراتيجية ترامب، التي استلهمها من أسلوبه في عالم الأعمال والعقارات قبل دخوله السياسة، تقوم على خلق حالة من الضغط والفوضى لدفع الخصم إلى تقديم تنازلات سريعة.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بحسابات مختلفة لدى طهران، التي تعتقد أن بإمكانها تحمل تبعات الحرب لفترة أطول من الولايات المتحدة، مستفيدة من اعتبارات سياسية وعسكرية داخلية أمريكية، أبرزها تراجع مخزونات الذخائر، وصعوبة خوض حرب طويلة لا تحظى بتأييد واسع لدى الرأي العام الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
وفي المقابل، يواصل ترامب التأكيد على أن الجيش الأمريكي نجح في إلحاق خسائر كبيرة بإيران، عبر استهداف قيادات عسكرية وتدمير أجزاء من قدراتها الجوية والبحرية، معتبراً أن هذه الضربات عززت موقف واشنطن التفاوضي.
نمط متكرر منذ بداية الحرب
وترى أسوشيتد برس أن التراجع الأخير ليس حالة استثنائية، بل يأتي ضمن سلسلة من المحطات التي شهدت السيناريو ذاته منذ اندلاع الحرب.
ففي أبريل الماضي، توصلت واشنطن وطهران إلى هدنة استمرت أسبوعين قبل ساعات فقط من انتهاء المهلة التي منحها ترامب لإيران للاستسلام أو مواجهة هجمات تستهدف البنية التحتية الحيوية، وهي ضربات قال إنها ستعني “زوال حضارة بأكملها”.
وفي مايو، أعلن الرئيس الأمريكي تأجيل ضربة عسكرية واسعة كان يعتزم تنفيذها، مبرراً ذلك بوجود مفاوضات وصفها بالجدية، ومشيداً في الوقت نفسه بدور حلفائه الخليجيين في دفعه نحو التهدئة.
أما في يونيو، فقد عاد لترهيب طهران بتهديدات شملت استهداف منشآت الطاقة الإيرانية والسيطرة على جزيرة خرج، قبل أن يتراجع مجدداً معلناً أن المفاوضات أحرزت تقدماً مع القيادة الإيرانية.
ويرى مراقبون أن ترامب يحاول إعادة ضبط مسار التعامل مع إيران في هذه المرحلة، وقد ينتهي به الأمر إلى قناعة بأن التصعيد الكبير بات ضرورياً، لكن آخرين يعتبرون أن تردده يعكس إدراكاً داخل الإدارة بأن القوة العسكرية وحدها قد لا تكفي لدفع إيران إلى التراجع وإنهاء حرب مستمرة منذ أشهر، كان ترامب قد قلّل من شأنها سابقاً ووصفها بأنها مجرد “نزهة قصيرة”.
وقال السيناتور الديمقراطي مارك كيلي، عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، في برنامج واجه الأمة على شبكة سي بي إس نيوز، إن الرئيس يتبنى “نهجاً متقلباً للغاية”، مضيفاً: “يحاول الآن العودة إلى الوضع الذي كنا عليه في فبراير/شباط الماضي، ولو كان يملك زرّاً لإعادة الضبط لاختار الضغط عليه بلا تردد”.
خيارات عسكرية محفوفة بالمخاطر
ويشير التقرير إلى أن بعض التهديدات التي أطلقها ترامب، مثل السيطرة على منشآت الطاقة الإيرانية، تتطلب عملياً وجود قوات برية أمريكية داخل إيران، وهو خيار ينطوي على مخاطر سياسية وعسكرية كبيرة، ويتعارض مع الخطاب الذي خاض به حملته الانتخابية، والقائم على تجنب الانخراط في حروب طويلة خارج الولايات المتحدة.
كما ألمح ترامب إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لعب دوراً مؤثراً في إقناع واشنطن بتأجيل التصعيد الأخير، في إطار الجهود الإقليمية الرامية إلى منع توسع رقعة الحرب.
ضغوط داخلية وانتقادات متزايدة
بالتزامن مع استمرار الحرب، تتزايد الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية، إذ أظهر استطلاع أجراه مركز “أسوشيتد برس-نورك” لأبحاث الشؤون العامة أن نحو ثلثي الأمريكيين يعتبرون أن الحرب مع إيران لم تكن قراراً صائباً، وهو موقف يلقى تأييداً واسعاً بين الديمقراطيين والمستقلين، إضافة إلى أكثر من ثلث الجمهوريين.
ويرى مراقبون أن هذا المناخ الداخلي قد يدفع ترامب إلى إعادة تقييم خياراته، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، رغم إصراره العلني على أن الحسابات الانتخابية لا تؤثر في قراراته العسكرية.
وفي السياق نفسه، دعا عدد من الجمهوريين إلى مراجعة النهج الحالي، وقال السيناتور جون كينيدي في تصريحات تلفزيونية إن النقاش السياسي في واشنطن قد أغفل حجم الدمار الذي ألحقه الجيش الأمريكي بإيران منذ بداية الحرب”، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة.
واعتبر كينيدي أن تشديد العقوبات واستهداف البرنامج النووي الإيراني قد يكونان أكثر فاعلية من توسيع العمليات العسكرية في المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن الإبقاء على الوضع الراهن قد يمثل الخيار الأقل كلفة في الوقت الراهن.
وتخلص وكالة أسوشيتد برس إلى أن إستراتيجية ترامب القائمة على الجمع بين التهديد العسكري والانفتاح على التفاوض ما تزال تواجه اختباراً صعباً مع إيران، التي تراهن على قدرتها على الصمود واستنزاف خصمها سياسياً وعسكرياً، بينما تحاول واشنطن تحقيق مكاسب تفاوضية دون الانزلاق إلى حرب أوسع قد تكون كلفتها الداخلية والخارجية مرتفعة.

