أثارت الهدنة السارية بين الولايات المتحدة وإيران منذ 8 نيسان/أبريل تساؤلات متزايدة حول فرص تحولها إلى مسار سياسي دائم، بعدما شهدت الأسابيع الأخيرة محطات توتر وتصعيدا متقطعا رافقه امتداد التوترات الإقليمية من الخليج إلى لبنان. وبينما تجنبت واشنطن وطهران الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فإنهما لم تتمكنا في المقابل من تحقيق تقدم دبلوماسي ملموس ينهي حالة المواجهة المفتوحة بينهما.
اعلان
اعلان
وفي هذا السياق، رأت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس البريطاني، في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، أن الهدنة القائمة تواجه مخاطر متزايدة قد تحولها إلى حالة جمود طويلة الأمد، محذرة من أن استمرار الوضع الراهن لا يمهد للسلام بقدر ما يؤسس لجولة جديدة من التصعيد في المنطقة.
تصعيد مستمر رغم وقف إطلاق النار
وأشارت وكيل إلى أن الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في 8 نيسان/أبريل تشهد جولة جديدة من التصعيد، موضحة أن الأسبوع الحالي شهد ضربات أميركية إضافية على إيران، وردا إيرانيا استهدف الكويت والبحرين، إلى جانب تصعيد إسرائيلي في لبنان.
وأضافت أن جولات التوتر السابقة خلال الشهرين الماضيين جرى احتواؤها بسرعة، فيما حاول الطرفان الحفاظ على توازن بين حالة “اللا حرب واللا سلم”. إلا أن استمرار الهدنة بهذه الصورة يهدد بتحويلها إلى حالة جمود جديدة في الشرق الأوسط، مع ما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية دولية.
أزمة ثقة تعرقل أي تقدم
واعتبرت الكاتبة أن أول العقبات أمام أي اتفاق يتمثل في انعدام الثقة بين الجانبين.
وبحسب المقال، لا تعتقد إيران أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادر على التوصل إلى اتفاق أو الالتزام به، كما تخشى أن لا يقتصر الأمر على احتمال انسحاب واشنطن من أي تفاهم جديد، بل أن تتوسع المطالب تدريجيا من فرض قيود على البرنامج النووي إلى الصواريخ والسياسات الإقليمية، وصولا إلى تقديم تنازلات سياسية إضافية تحت مسمى الضمانات الأمنية.
غياب التواصل المباشر
ورأت وكيل أن العائق الثاني يتمثل في غياب قنوات الاتصال المباشرة القادرة على تحويل الإشارات السياسية إلى تسويات عملية.
وأوضحت أنه منذ اجتماع إسلام آباد في نيسان/أبريل بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لم تعد هناك قناة مباشرة فعالة بين الطرفين، فيما باتت المفاوضات تعتمد على وسطاء إقليميين وتبادل متواصل للمقترحات.
خلاف حول طبيعة الاتفاق المطلوب
أما العقبة الثالثة، فتتمثل في الفجوة بين ما يحتاجه كل طرف من أي اتفاق محتمل.
فإيران، بحسب المقال، تريد تفاصيل واضحة والتزامات محددة تتعلق بالعقوبات التي سترفع، وموعد الإفراج عن الإيرادات المجمدة، وآليات التنفيذ، والضمانات التي تمنع أي تراجع أميركي مستقبلي.
في المقابل، يسعى ترامب إلى مذكرة تفاهم أسرع وأكثر مرونة يمكن الإعلان عنها وتسويقها باعتبارها اختراقا سياسيا. وترى الكاتبة أن أحد الطرفين يبحث عن ضمانات حقيقية، بينما يبحث الآخر عن إنجاز سياسي وعنوان إعلامي.
السياسة الداخلية تعقد المشهد
وأشارت وكيل إلى أن السياسة الداخلية تشكل العقبة الرابعة أمام أي تفاهم.
ففي الولايات المتحدة، من المتوقع أن يواجه أي اتفاق انتقادات حادة من الجمهوريين المتشددين ومن خصوم الإدارة قبل أن يدخل حيز التنفيذ.
أما في إيران، فإن جيلا جديدا من القيادات الصاعدة قد يعتبر أي تسوية لا تتضمن ضمانات جدية وتخفيفا ملموسا للعقوبات بعد أسابيع من القصف بمثابة استسلام سياسي.
كل طرف يعتقد أن الوقت لصالحه
ورأت الكاتبة أن المشكلة الأعمق تكمن في اقتناع كل من واشنطن وطهران بأن الوقت يعمل لصالحه.
فإيران تعتقد أنها نجت من الضغوط المشتركة التي مارستها الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن الدولة لم تنهَر، كما حافظت مؤسساتها القيادية على تماسكها، وعززت نفوذها من خلال إغلاق مضيق هرمز.
كما ترى طهران أن واشنطن بحاجة إلى خفض التصعيد بصورة أكثر إلحاحا، لأن استمرار الاضطراب ستكون له انعكاسات على أسعار الوقود في الولايات المتحدة، ومعدلات التضخم العالمية، والحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات النصفية.
في المقابل، تعتقد الولايات المتحدة أنها أثبتت تفوقها العسكري، وأن حلفاء إيران تعرضوا للإضعاف، وأن قوة الردع الإيرانية تراجعت، فيما يتعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط شديدة.
وتفترض واشنطن أن طهران ستقبل في نهاية المطاف باتفاق محدود، لأن البديل يتمثل في مزيد من العزلة والعقوبات والانهيار الاقتصادي وتفاقم نقاط الضعف العسكرية.
“الحقيقة أن الطرفين يخسران”
لكن وكيل تؤكد أن الواقع مختلف عن حسابات الجانبين، معتبرة أن “الحقيقة أن الطرفين يخسران”.
وأوضحت أن الولايات المتحدة تتحمل تكاليف سياسية واقتصادية واستراتيجية متزايدة، إذ إن هدنة تتخللها موجات متكررة من العنف ستبقي أسواق الطاقة في حالة قلق دائم، وستعرض شركاء الخليج لخطر الردود الانتقامية، كما ستقوض صورة واشنطن باعتبارها قوة قادرة على فرض الاستقرار.
أما بالنسبة لإيران، فترى الكاتبة أن مجرد البقاء لا يعني تحقيق النصر.
وأشارت إلى أن الاقتصاد الإيراني المنهك والقيادة التي لم تختبر بالكامل سيضطران في نهاية المطاف إلى تفسير سبب عدم تحول الصمود إلى انفراج فعلي.
وأضافت أن معدل التضخم بلغ 77 في المئة خلال أيار/مايو، فيما تراجع سعر الريال إلى 1.7 مليون مقابل الدولار. كما لا تزال تداعيات احتجاجات كانون الثاني/يناير والحملة الأمنية التي أعقبتها، والتي يقال إنها أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن سبعة آلاف شخص، حاضرة في المشهد السياسي الإيراني.
وترى أن القمع والإعدامات وتعزيز الوجود العسكري قد تنجح مؤقتا في احتواء المعارضة، لكنها لا تستطيع إزالة الأسباب التي دفعت المحتجين إلى النزول إلى الشوارع.
هدنة تمنع الحرب ولا تصنع السلام
واعتبرت وكيل أن أخطر ما في الوضع الراهن هو أن الهدنة نجحت في منع العودة إلى حرب شاملة، لكنها لم تنجح في خلق سلام حقيقي.
وأشارت إلى أن استمرار المفاوضات البطيئة والتأجيل المتكرر يمنح الطرفين فرصة للاعتقاد بأن الوقت سيقود تلقائيا إلى نتائج، في حين أن تجارب الشرق الأوسط تظهر أن حالات الجمود نادرا ما تبقى مستقرة، وأن التصعيد المتقطع أو المفاجئ يشكل جزءا من طبيعة هذه الأزمات.
دعوة إلى تحرك سياسي مباشر
وفي ختام المقال، رأت وكيل أن أمام واشنطن وطهران نافذة ضيقة لتحويل الهدنة إلى مسار سياسي فعلي.
وأكدت أن ذلك يتطلب مزيدا من التواصل المباشر، وتسريع التحركات الدبلوماسية، ووضع جدول زمني واقعي ودقيق للخطوات المقبلة، إلى جانب استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة والاعتراف بأن القصف أو الحصار لن يحققا اتفاقا دائما.
كما شددت على ضرورة توفر قيادة واثقة وقادرة على اتخاذ قرارات صعبة من الجانبين، حتى وإن كانت أي تسوية محتملة لن ترضي جميع الأطراف والمنتقدين.
وخلصت إلى أن هدنة نيسان/أبريل قد لا تذكر باعتبارها بداية مسار لخفض التصعيد، بل قد تتحول إلى الأساس الذي يمهد لجولة جديدة من التوتر والمواجهة في المنطقة.

