نشرت في
كان سونيل بونيا، الشاب الهندي القادم من قرية فقيرة، يعتقد أن العمل على متن السفن التجارية سيكون بوابته نحو حياة كريمة. لكن حلمه ما لبث أن انقلب كابوسًا، فإذا به يقذف بنفسه في البحر مرتديًا سترة النجاة، فارًّا من ناقلة نفط التهمتها النيران بعد أن أصابها صاروخ في خضم الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط.
اعلان
اعلان
ورغم ما ينطوي عليه هذا القطاع من مخاطر، يظل النقل البحري فرصة ذهبية لمئات الآلاف من الهنود، بفضل دخله الذي يعجزون عن تحصيله داخل بلدهم، بحسب وكالة “فرانس برس”.
وتعد الهند واحدة من كبرى مصادر القوى العاملة البحرية في العالم، إذ تجاوز عدد بحّارتها 320 ألفاً بحلول عام 2025، وفق أرقام وزارة الشحن الهندية.
لكن هذا الحضور الكبير جعلهم الأكثر تضرراً في حرب الملاحة الدائرة، وهم اليوم النسبة الأعلى بين ضحايا هذا القطاع في النزاع الراهن.
ففي الأول من آذار/مارس، تعرضت ناقلة نفط ترفع علم بالاو لهجوم قبالة ميناء خصب العماني، فسقط أول قتيلين هنود في الحرب: دليب سينغ وآشيش كومار سينغ.
ويروي بونيا أنه كان على متن السفينة نفسها، “إم في سكايلايت”، ويصف تلك اللحظة قائلاً لوكالة “فرانس برس”: “فجأة، دوّى انفجار هائل ورجّ السفينة بعنف”. ظننت في البدء أن خللاً أصاب المحرك، لكني سرعان ما أيقنت أن صاروخاً هو الذي نزل علينا.
ويضيف: “النيران التهمت السفينة برمّتها”، متابعاً: “قذف الجميع بأنفسهم في الماء وقد ارتدوا سترات النجاة، ناديت على دليب فلم يعد، النيران كانت قد التهمته”.
وكان البحّاران قد سافرا معاً إلى دبي قبل أن يركبا الناقلة قبل الحادث، وتفيد منظمة الملاحة البحرية الدولية بمقتل 11 بحاراً تجارياً في النزاع حتى الآن، بينهم أربعة هنود على الأقل.
ومع اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، أغلقت إيران مضيق هرمز، ذاك الممر المائي الحيوي الذي تمر منه نحو خمس إمدادات النفط والغاز المسال في العالم، فردّت واشنطن بحصار بحري مضاد على الموانئ الإيرانية، احتُجز خلاله نحو 20 ألف بحار في المنطقة، بينهم آلاف الهنود باتوا عالقين بلا حراك.
وفي هذا السياق، يوضح الأمين العام لنقابة البحارة الهنود، مانوج ياداف، أن بلاده تعاني بطالة مزمنة، لذا صار العمل على السفن “ملاذاً مناسباً لكثيرين، فهو يدرّ دخلاً لا بأس به مقارنة بالشهادات المطلوبة”.
عائلات الضحايا
وكان دليب سينغ، البالغ من العمر 25 عاماً، خريج مدرسة ثانوية من صحراء راجستان، والتحق بالدعم الهندسي في ثاني رحلة بحرية له، بعد سنوات من خيبات الحصول على وظيفة حكومية، على حد قول شقيقه الأصغر مانوج. دفعه اليأس إلى الاقتراض والالتحاق بدورة تدريب بحري، ثم حصل على راتب 450 دولاراً شهرياً، أي ثلاثة أضعاف متوسط دخل أسرته الريفية.
ويقول شقيقه إنه كان يحلم بلحاقه في البحر، لكنه تخلى عن الحلم بعد مقتل أخيه “وفاة والدي من الصدمة إثر خبر مقتل أخي جعلتني عاجزاً عن مغادرة المنزل أبداً”.
وفي ولاية بيهار، تعيش أسرة القبطان آشيش كومار سينغ (38 عاماً) في حداد، وزوجته أنشو كوماري تناشد الحكومة: “كل ما أريده هو أن تعيدوا لي جثمان زوجي” كما تنقل “فرانس برس”.
“ليس لدينا خيار آخر”
أما راجو رام (33 عاماً) من راجستان، فيقبع على متن ناقلة راسية في ميناء الفجيرة الإماراتي منذ نيسان/أبريل، ينتظر الإذن بالعبور، ويحكي أنه شاهد “صواريخ تتساقط كالمطر” قرب سفينته، ويقول عبر الهاتف: “الوضع خطير بلا شك، لكن الأموال التي نرسلها لأهلنا تجعلنا نلمس تقديرهم لنا”.
ويختم بونيا، الذي نجا بأعجوبة، حديثه قائلًا: “الوظائف التي تُتاح لأمثالي في الهند لا تُخرجنا من دوامة الديون. أما البحر فعلى الأقل يعطيني أجراً كريماً، ولا خيار غير ذلك أمامي”.
المصادر الإضافية • فرانس برس


