بقلم: Ekbal Zein & يورونيوز

نشرت في

سرعان ما تحولت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران من مواجهة إقليمية إلى أزمة عالمية شاملة. فمع قرار طهران إغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي الذي تمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية، لم تقتصر التداعيات على ارتفاع أسعار الطاقة، بل فتحت الأبواب أمام أزمة غذاء طالت الجميع، وكانت دول الخليج في طليعة المتضررين.

اعلان


اعلان

ورغم ما تزخر به دول الخليج من ثروات نفطية، فإن أمنها الغذائي يظل رهينًا بطرق الإمداد البحرية. فمنذ عقود، تعتمد هذه الدول بنسبة تصل إلى 85% على استيراد احتياجاتها الغذائية من الخارج، في حين تُستورد بعض السلع الأساسية مثل الأرز بالكامل.

وللتخفيف من وطأة أي اضطراب محتمل، تحتفظ هذه الدول بمخزونات استراتيجية تكفي لعدة أشهر، لكنها -بحسب خبراء- صُممت لمواجهة أزمات مؤقتة، لا لحروب طويلة الأمد.

على مدى العقدين الماضيين، استثمرت دول الخليج بكثافة في بناء صوامع ضخمة وحديثة قادرة على تخزين مئات آلاف الأطنان من الحبوب والمواد الأساسية.

ويُعد مشروع صوامع الفجيرة في الإمارات، الذي دُشّن عام 2016 بطاقة تخزينية تصل إلى 300 ألف طن، نموذجًا على هذه الجهود، إذ تم إنشاؤه على ساحل المحيط الهندي خصيصًا لتجاوز مضيق هرمز وضمان استمرار تدفق الغذاء حتى في حال إغلاق الممر المائي.

مع ذلك، فإن الجغرافيا تفرض واقعًا صعبًا، فمعظم الموانئ الرئيسية في الكويت والبحرين وقطر تقع داخل الخليج، مما يعني أن أي شحنة متجهة إليها لا يمكنها تجنب المرور عبر مضيق هرمز. وهذا يجعل دول الخليج، رغم ثرواتها، رهينة لمضيق لا يتسع عرضه إلا لبضع كيلومترات.

وتتفاقم المعاناة مع السلع سريعة التلف مثل الفواكه والخضروات، التي لا يمكن تخزينها لشهور كالحبوب، مما يجعلها أكثر عرضة للصدمات الإقليمية.

مخاوف من الاستهداف

وحتى اللحظة، لم تطال الضربات الإيرانية البنية التحتية للتخزين أو الإمداد الغذائي بشكل مباشر، لكن تجارب سابقة مع استهداف منشآت الطاقة تثير مخاوف من أن أي تصعيد قد يحوّل الصوامع والمخازن إلى أهداف استراتيجية، خاصة إذا شعرت طهران بأنها تخوض حربًا وجودية.

في هذا السياق، ترى هلال إلفر، التي سبق أن شغلت منصب مقررة الأمم المتحدة لحق الغذاء، أن التهديد قائم رغم أنه لم يتحقق بعد.

وتقول في هذا السياق: “حتى الآن، إيران لم تهاجم الموارد الغذائية، لكن هذا خطر آخر قد يطال منطقة الخليج”. وتضيف أن تحويل الغذاء إلى سلاح في الصراعات يشكل سابقة خطيرة لا يمكن تجاهلها.

وفي أقصى سيناريوهات التصعيد، يتخوف مراقبون من تعطل طرق النقل البحرية، ليتحول السؤال إلى: هل تستطيع دول الخليج تعويض وارداتها عبر موانئ برية في الأردن أو سوريا أو العراق؟ وهنا تكمن المعضلة، إذ تؤكد إلفر أن الإجابة تميل إلى السلبية، فالبنية التحتية للطرق البرية غير مهيأة لتعويض حجم الواردات الهائل، ناهيك عن أن التكلفة ستكون باهظة والسرعة بطيئة، خصوصًا بالنسبة للسلع الضخمة مثل الحبوب.

ولا تأتي مخاوف دول الخليج من فراغ، فذكريات أزمة الغذاء العالمية عام 2008 ما زالت حاضرة، حين ارتفعت الأسعار بشكل جنوني ودفعت هذه الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها.

ومنذ ذلك الحين، انتهجت سياسات جديدة تنوّع مصادر الاستيراد، واستثمرت مليارات الدولارات في شراء أراضٍ زراعية في الخارج لدعم سلاسل الإمداد.

كما لعبت الخلافات الداخلية دورًا في تسريع هذه الخطط، فالأزمة الدبلوماسية التي شهدها مجلس التعاون الخليجي بين السعودية وقطر عام 2017 كشفت هشاشة الترتيبات القائمة، ودفعت كل دولة إلى تعزيز مخزونها الاستراتيجي بشكل منفرد.

أزمة عالمية وخيارات محدودة

وبشكل عام، لا تقتصر تعقيدات الأزمة على دول الخليج وحدها، فسوق الغذاء العالمي نفسه يعاني من خلل هيكلي يتمثل في التركيز الشديد للإنتاج. فعدد الدول القادرة على تصدير الغذاء بكميات كبيرة لا يتجاوز خمس دول فقط: الهند، الصين، البرازيل، الولايات المتحدة، وروسيا. وهذا التركيز، بحسب خبراء، يجعل من الصعب على دول الخليج تنويع مورديها، ويحد بشكل كبير من خياراتها في أوقات الأزمات.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version