بقلم: محمد نشبت

نشرت في

تقول وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة إن أكثر من مليوني فلسطيني محرومون من الأضاحي هذا العيد، بعدما أدى القصف الواسع وتدمير المزارع ومنع إدخال المواشي والأعلاف إلى شلل غير مسبوق في الإنتاج الحيواني، وخرجت اللحوم بذلك من متناول معظم سكان القطاع.

اعلان


اعلان

وكان موسم الأضاحي يشكل سنوياً مصدراً رئيسياً للحوم لدى آلاف الأسر الفقيرة عبر التوزيعات الخيرية والمبادرات المجتمعية، قبل أن يتوقف ذلك مع اختفاء المواشي من الأسواق المحلية.

في هذا السياق، يقول خالد أبو عجوة، وهو من سكان مدينة غزة: “قبل الحرب كان أغلب الناس يقدروا يضحوا، حتى لو بالمشاركة. اليوم بدك 15 ألف أو 20 ألف شيقل للأضحية، ومع هذا ما بتلاقي”.

أسعار تتجاوز إمكانات الأهالي

قفزت أسعار المواشي في القطاع إلى مستويات غير مسبوقة مع تراجع أعدادها في الأسواق إلى حدّ كبير والانعدام شبه الكامل لحركة الاستيراد.

ووفق تجار ومواطنين، تجاوز سعر الخروف الواحد في بعض مناطق القطاع 15 ألف شيكل، بينما تجاوز سعر الأضحية في المناطق الشمالية مستوياته المعتادة بفعل تناقص أعداد المواشي وصعوبة نقلها داخل القطاع.

كما بلغ سعر كيلو اللحم ما بين 80 و115 دولاراً، وهي أسعار تفوق قدرة الغالبية الساحقة من السكان الذين يعيشون أوضاعاً معيشية كارثية مع انهيار مصادر الدخل وارتفاع معدلات البطالة.

في دير البلح وسط القطاع، يقول سامح عياد إن فكرة شراء أضحية باتت أقرب إلى الخيال: “قبل الحرب كنا نشتري عجلاً كاملاً بـ10 أو 15 ألف شيكل. اليوم الخروف الواحد صار يحتاج عدة أشخاص يشتركوا فيه، والحصة نفسها ممكن توصل لـ5 آلاف شيكل، والناس أصلاً ما معها حق الأكل”.

من عشرات الآلاف إلى أعداد محدودة

تعكس الأرقام التي تعرضها وزارة الزراعة حجم الانهيار الذي أصاب القطاع الحيواني خلال الحرب. ويقول الناطق باسم الوزارة رأفت عسلية إن غزة كانت تستورد قبل الحرب نحو 3 آلاف رأس من العجول شهرياً، أي ما يقارب 36 ألف رأس سنوياً، فيما تراوح الطلب على الأغنام خلال مواسم الأضاحي بين 30 و40 ألف رأس.

وبحسب الوزارة، بلغت أعداد العجول المخصصة للأضاحي نحو 20 ألف رأس عام 2021، وحوالي 17 ألفاً عام 2023 قبل اندلاع الحرب مباشرة.

أما اليوم، فقد تراجعت أعداد الأغنام والماعز من نحو 60 ألف رأس إلى قرابة 3 آلاف فقط، بينما اختفت الأبقار المخصصة للذبح بالكامل تقريباً.

ومن أصل نحو 3 آلاف بقرة حلوب كانت تغذي السوق المحلية قبل الحرب، لم يتبقَّ سوى بقرتين أو ثلاث يربيها مواطنون داخل منازلهم، وفق الوزارة.

ويعزو عسلية هذا الانهيار إلى القصف المباشر للحظائر والمزارع، ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات بسبب نقص الأعلاف والمياه والأدوية البيطرية، إضافة إلى الذبح الاضطراري للمواشي خلال أشهر الحرب الأولى مع انقطاع الغذاء وغياب القدرة على تربيتها.

ويؤكد أن استمرار منع إدخال المواشي الحية إلى القطاع تسبب بأزمة حادة في اللحوم والأضاحي وترك أثراً مباشراً على الأمن الغذائي للسكان.

قطاع زراعي مدمّر وأعلاف مفقودة

أظهر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” في أكتوبر 2024 أن الحرب ألحقت أضراراً بنحو 67.6% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، كما دمّرت 70% من مزارع الدواجن والبيوت الزراعية، وتضرر أكثر من 71% من البساتين والأشجار المثمرة.

وتقدّر وزارة الزراعة الفلسطينية إجمالي الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي بأكثر من 4 مليارات دولار، تشمل الزراعة النباتية والثروة الحيوانية والقطاع السمكي.

في المقابل أكدت جهات محلية رسمية في غزة إن الخسائر المباشرة التي أصابت 15 قطاعاً حيوياً خلال الحرب تجاوزت 33 مليار دولار، مع تدمير أكثر من 80% من الأراضي الزراعية.

ومع اختفاء الأعلاف وارتفاع أسعارها بشكل هائل، اضطر مربو المواشي إلى استخدام مواد غذائية مخصصة للاستهلاك البشري لإبقاء الحيوانات على قيد الحياة، بينها العدس المجروش والحبوب الجافة، في وقت لم تعد فيه غالبية المزارع قادرة على الاستمرار.

ويقول مربون إن كثيراً من الحيوانات نفقت جوعاً أو بسبب الأمراض، بينما اضطر آخرون إلى بيع ما تبقى لديهم مبكراً لتأمين الغذاء لعائلاتهم.

عيد بلا أسواق ولا مسالخ

في السنوات التي سبقت الحرب، كانت أسواق المواشي في غزة تتحول قبل عيد الأضحى بأيام إلى واحدة من أكثر مظاهر العيد حضوراً، مع امتلاء الشوارع بالحظائر المؤقتة وأصوات الباعة والمشترين والأطفال الذين يرافقون عائلاتهم لاختيار الأضاحي. أما اليوم، فقد اختفت معظم تلك المشاهد.

يقف محمد الصيداوي أمام مسلخه المتضرر في دير البلح مستعيداً مواسم العيد التي كانت تسبق الحرب. ويقول: “قبل العيد بعشرة أو خمسة عشر يوماً كانت الناس تأتي لتشتري. كان المكان كأنه فرح، وكانت عمليات الذبح تستمرّ طوال اليوم”.

ويضيف أن المسلخ لم يكن مجرد مكان للذبح، بل مصدر رزق لعائلات عديدة: “كان في ناس كثيرة تشتغل هون، ولو من كل عائلة شخص واحد فأنت بتحكي عن أكثر من 16 شخصاً كانوا يعتاشون من الموسم”.

ويتوقف قليلاً قبل أن يشير إلى الدمار المحيط بالمكان قائلاً: “اليوم الصورة بتحكي كل شيء. المسلخ الموجود الآن لا يُذكر مقارنة بما كان”.

فتوى لمواجهة الجوع

مع تحوّل الأضحية إلى عبء يتجاوز قدرة معظم السكان، امتدت آثار الأزمة إلى النقاش الديني والاجتماعي المرتبط بالشعائر نفسها. وأمام استمرار الأزمة وارتفاع معدلات الفقر والجوع، أصدر مجلس الاجتهاد الفقهي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة فتوى للعام الثالث على التوالي، دعا فيها الميسورين إلى توجيه الأموال نحو الصدقات والسلال الغذائية واللحوم المبردة لمساعدة الأسر المحتاجة.

غير أن المجلس شدد في الوقت ذاته على أن ذلك لا يُجزئ شرعاً عن الأضحية المرتبطة بإهراق الدم يوم العيد، مؤكداً أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع دفعت إلى تغليب أولوية إطعام السكان الجائعين.

ووفق برنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 1.6 مليون شخص في قطاع غزة، أي ما يعادل 77% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل ومرضع. لكن بالنسبة لكثير من سكان غزة، لا تختصر الأزمة بالأرقام وحدها.

وبينما يحل عيد الأضحى في 27 مايو الجاري، تبقى أسواق المواشي في غزة خاوية، والمعابر موصدة، وتتوارى تدريجياً ملامح موسم كان يوماً من أكثر مناسبات القطاع حياةً وحضوراً في ذاكرة سكانه.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version