في أزقة الدمام، وحيث يتنفس الساحل الشرقي عشق “فارس الدهناء”، يبرز اسم سعد الشهري ليس مجرد مدرب عابر في تاريخ نادي الاتفاق، و ليس مجرد مدرب مرّ على دكة البدلاء، بل كظاهرة تدريبية أعادت صياغة مفهوم “المدرب الوطني” في أذهان الجماهير والنقاد على حد سواء حيث يعتبر مهندس الهوية الوطنية في دوري روشن هذاالموسم حيث يعد المدرب الوطني الوحيد بين المدربين الأجانب .
إن قصة الشهري مع نادي الاتفاق هي قصة “عودة الابن البار” الذي لم يكتفِ بالوفاء لناديه الأم لاعباً، بل عاد ليحمل أحلامه وتطلعاته على كتفيه كقائد فني يمتلك رؤية تتجاوز مجرد الفوز بمباراة، لتصل إلى بناء مشروع كروي.

قائد “جيل الذهب” وصانع التحول

لم تأتِ ثقة الإدارة الاتفاقية بالشهري من فراغ، بل هي نتاج تاريخ حافل مع المنتخبات السنية، حيث قاد “الأخضر” الأولمبي لمنصات التتويج الآسيوية والوصول للأولمبياد. هذه الخبرة في التعامل مع المواهب الشابة انعكست على الاتفاق؛ إذ نجح في بناء فريق يجمع بين خبرة المحترفين الأجانب وحماس المواهب الوطنية الصاعدة، محولاً الفريق من صراع المراكز المتأخرة إلى منافس شرس في المربع الذهبي ومنطقة الأمان.

النهج الفني والتكتيك: ” صراع العقل في المستطيل الأخضر”

يُعرف سعد الشهري بكونه مدرباً “واقعياً بلمسة جمالية”. يفضل غالباً الاعتماد على رسم تكتيكي متوازن ، لكن سحره الحقيقي يكمن في “المرونة التكتيكية”. يرتكز نهجه على بناء اللعب من الخلف، مع تركيز شديد على الانضباط الدفاعي وتقارب الخطوط؛ فهو يؤمن أن الدفاع القوي هو المنصة التي تنطلق منها الهجمات المرتدة القاتلة.
في مباريات “الديربي” والمواجهات الكبرى، يتجلى ذكاء الشهري في “قراءة الخصم”. هو لا يلعب بأسلوب واحد جامد، بل يفرض أسلوبه بناءً على نقاط ضعف المنافس، معولاً على تحركات الأجنحة واستغلال المساحات في أنصاف الأمان. يتميز فريقه بالقدرة على التحول السريع من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، مع الحفاظ على “التوازن والهدوء” حتى في أصعب الظروف، كما حدث في مباريات شهدت نقصاً عددياً لفريقه.

فلسفة “الواقعية الذكية” والاتزان التكتيكي

لا يمكن قراءة مسيرة سعد الشهري دون التوقف طويلاً عند “مختبره التكتيكي”. الشهري ليس مدرباً يندفع وراء الهجوم العشوائي، بل هو مهندس يؤمن بأن كرة القدم تُكسب في مناطق المناورة (وسط الملعب). يعتمد في فلسفته الأساسية على رسم 4-2-3-1، وهي الطريقة التي تمنحه المرونة الكافية للتحول بين الدفاع والهجوم بسلاسة فائقة.
يرتكز تكتيك الشهري على ثلاث ركائز أساسية:

1 ـ الصلابة الدفاعية وتقارب الخطوط:

يرفض الشهري ترك مساحات شاسعة بين خط الدفاع وخط الوسط، حيث يطبق مبدأ “الدفاع المدمج” الذي يجبر الخصم على اللعب في الأطراف بدلاً من العمق، مما يقلل من خطورة الكرات البينية.

2 ـ بناء اللعب الصبور (Build-up):

بخلاف العديد من المدربين الوطنيين الذين يعتمدون على الكرات الطويلة، يصر الشهري على خروج الكرة من الخلف عبر قلبي الدفاع ولاعبي المحور، مما يعزز الاستحواذ الإيجابي ويستنزف طاقة الخصم بدنياً وذهنياً.

3 ـ التحولات الخاطفة

التحولات الخاطفة: يمتلك الشهري قدرة فائقة على استغلال سرعة الأجنحة والكرات المرتدة المنظمة، محولاً الحالة الدفاعية إلى هجمة مرتدة “جراحية” في غضون ثوانٍ قليلة، وهو ما جعل الاتفاق فريقاً “مرعباً” في المرتدات أمام الفرق الكبرى.

العامل النفسي.. صناعة الشخصية والروح:

بعيداً عن الأوراق والأقلام، يتجلى ذكاء الشهري في كونه “أباً روحياً” للاعبيه. لقد نقل خبرته العريضة مع المنتخبات السنية (الأخضر الأولمبي) إلى أروقة نادي الاتفاق، حيث نجح في دمج العناصر الشابة الصاعدة مع المحترفين الأجانب ذوي الخبرة، خالقاً نسيجاً منسجماً يقاتل من أجل الشعار. الشهري هو المدرب الذي يمنح اللاعب الثقة ليخطئ ويتعلم، لكنه في الوقت ذاته لا يتنازل عن الانضباط التكتيكي، مما جعل لاعبي الاتفاق يظهرون بنضج كروي يفوق أعمارهم الفنية.

التحدي في زمن “النجوم العالميين”:

في ظل الطفرة الهائلة التي يشهدها دوري روشن السعودي واستقطاب أعظم المدربين واللاعبين في العالم، يقف سعد الشهري كحصن منيع للمدرب الوطني. هو يثبت يومياً أن “العقل السعودي” قادر على قراءة أفكار المدارس الأوروبية واللاتينية وتفكيك شفراتها. لم يعد الاتفاق تحت قيادته مجرد فريق يطمح للبقاء، بل أصبح “المنغص” للأندية الكبرى، والفريق الذي يضرب له ألف حساب بفضل تنظيم الشهري وقراءته الدقيقة للمباريات من على خط التماس.
اليوم، يقف الشهري كرمز للثبات، مدافعاً عن أحلام “النواخذة”، ومثبتاً أن العقل الوطني قادر على مجاراة أعظم المدارس التدريبية العالمية في أقوى نسخة من دوري روشن السعودي.

خطوة متبقية على التجديد

كشف سعد الشهري ما تبقى ليعلن ناديه تجديد التعاقد معه للاستمرار بمنصبه.
وقال الشهري خلال كلمته في المؤتمر الصحفي عقب مباراة القادسية:”إدارة الاتفاق رفعت تجديد عقدي للاستدامة المالية وننتظر إجابتهم”.
وكان سعد الشهري قد تولى القيادة الفنية لفريق الاتفاق في يناير 2025 خلفًا للإنجليزي ستيفن جيرارد.

الخلاصة:..إرث يتشكل :

إن سعد الشهري اليوم يمثل الأمل لكل مدرب وطني طموح. هو لا يقود الاتفاق لتحقيق النقاط فحسب، بل يرسخ هوية فنية واضحة المعالم، قائمة على العلم، الدراسة، والواقعية.
رحلته هي رحلة البحث عن الكمال الكروي في بيئة تنافسية شرسة، وما حققه حتى الآن ليس إلا فصلاً من فصول رواية طويلة بطلها مدرب آمن بقدراته، ونادٍ آمن بمشروعه.
—————-

سعد الشهري مع الاتفاق:

خاض: 44 مباراة
فاز: 20
تعادل: 10
هزيمة: 14
في دوري روشن:
خاض: 43
فاز: 19
تعادل: 10
هزيمة: 14
في كأس الملك:
خاض: 1
فاز: 0
تعادل: 0
هزيمة: 1
—————

سعد الشهري في أرقام

– عدد المباريات الرسمية (كافة المسيرات) 128 مباراة
– نسبة الفوز 50% (حقق 64 فوزاً)
-سجلت فرقه 221 هدفاً
-استقبلت 184 هدفاً
– البطولات الكبرى (كمدرب) كأس آسيا تحت 23 سنة، بطولة غرب آسيا، دورة الألعاب العربية
-أداء الاتفاق (2025/2026) قاد الفريق في 27 مباراة: 11 فوز، 7 تعادلات، 9 خسائر
– الرسم التكتيكي المفضل 4-2-3-1 (أو 4-4-2 حسب ظروف المباراة)
– يُصنف كأعلى مدرب وطني قيمة سوقية تقدر بـ 9 ملايين ريال سنوياً.
-العقد الحالي: من يناير 2025 مستمر حتى 30 يونيو 2026

The post مهندس “الهوية الوطنية” وقائد سفينة  النواخذة  في دوري روشن.. سعد الشهري.. الربان!! appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version