في ظل استحقاقات خارجية بالغة الأهمية على الصعيدين الأمريكي والإسرائيلي ترسم ملامح المشهد السياسي والأمني المعقد، يترقب المجتمع الدولي جلسة مجلس الأمن المرتقبة لبحث الترتيبات الأمنية في الجنوب ومستقبل قوات “اليونيفيل” قبل نهاية تفويضها عام 2026. وفي هذا المنعطف الحرج، يبرز مسار التفاوض في لبنان كعنوان أساسي للمرحلة الراهنة لإنهاء الصراع الدائر. وقد أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن هذا المسار، رغم كل ما يكتنفه من صعوبات وعراقيل ميدانية وسياسية، يمثل المخرج الحقيقي والوحيد لإنقاذ البلاد وتفادي المزيد من الدمار والويلات التي خلفتها الحرب المستعرة.
أهمية مسار التفاوض في لبنان كبديل للحلول العسكرية
خلال استقباله وفداً من المجلس العام الماروني، شدد الرئيس جوزيف عون على أن قرار الانخراط في المحادثات السياسية اتُّخذ لحماية ما تبقى من مقومات الدولة وتجنيب الشعب اللبناني مآسي إضافية. وأوضح عون أن الأهداف الوطنية الكبرى المتمثلة في تحرير الجنوب، ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، واسترجاع الأسرى، وتأمين عودة الأهالي المهجرين إلى قراهم، بالإضافة إلى إطلاق ورشة إعادة الإعمار، هي أهداف لا يمكن إنجازها عبر الآلة العسكرية وحدها كما أثبتت التجارب السابقة.
ومن هنا، يرى الرئيس اللبناني أن التفاوض يظل خياراً عقلانياً وأفضل بكثير من الاستمرار في حرب استنزاف لا أفق لها، معترفاً في الوقت ذاته بأن هذه المفاوضات لن تكون سهلة أو سريعة بل ستواجه عقبات جمة تتطلب نفساً طويلاً وحكمة سياسية بالغة لتجاوز التحديات الراهنة.
التحركات الدبلوماسية الأمريكية وملف المناطق التجريبية
على الصعيد الدبلوماسي، يواصل المنسق الأمريكي جوزيف كليرفيلد جهوده المكثفة لترتيب أوراق الجولة الثامنة من المفاوضات غير المباشرة المرتقبة في العاصمة الإيطالية روما. وتشمل هذه الملفات صياغة آلية تحقق واضحة، وتثبيت الحدود البرية، وملف تبادل الأسرى بين الطرفين. ولن يعود الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى طاولة الاجتماعات إلا بعد إنجاز كليرفيلد للمقاربات والخيارات المقترحة.
وفي سياق متصل، أعلن السفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى، عقب لقائه مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان في دار الفتوى، عن وجود تقدم ملموس في ملف “المناطق التجريبية”، مشيراً إلى أن تطبيق التفاهمات على أرض الواقع يستلزم بعض الوقت. وحول التطورات في منطقة “علي الطاهر”، فضّل عيسى التريث قائلاً: “لا أعلم ما سيحدث.. لننتظر ونرى”. كما أكد السفير عيسى التزام واشنطن بدعم سيادة لبنان واستقلاله، متسائلاً في الوقت ذاته عن سبب تركيز المطالب على انسحاب إسرائيل دون مطالبة الحزب بنزع سلاحه، وموضحاً أن الإدارة الأمريكية لن تتفاوض مع الحزب إلا إذا كان لديه طرح حقيقي يقدمه.
الجذور التاريخية والتأثيرات الإقليمية لترتيبات الجنوب
تأتي هذه التطورات في سياق صراع تاريخي ممتد على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، حيث شكلت القرارات الدولية، لاسيما القرار 1701، الإطار الناظم للأمن والاستقرار الهش في المنطقة. إن أي تغيير في ترتيبات جنوب لبنان ومستقبل قوات “اليونيفيل” يحمل أبعاداً تتجاوز الحدود المحلية لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي.
فاستقرار الجنوب اللبناني يعد ركيزة أساسية لأمن شرق المتوسط، وأي تصعيد واسع قد يجر القوى الإقليمية والدولية إلى مواجهة شاملة. ومع وجود إدارة أمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب تسعى لإعادة ترتيب الأوراق السياسية في الشرق الأوسط، تكتسب هذه المفاوضات أهمية مضاعفة لكونها قد تؤسس لمرحلة جديدة من التهدئة المستدامة أو تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً على الساحة الدولية.
The post مسار التفاوض في لبنان: الخيار الأوحد لإنهاء الحرب والدمار appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

