تعتبر مدينة صفاقس التونسية واحدة من أبرز الحواضر التاريخية والاقتصادية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، حيث يمتزج فيها عبق التاريخ العريق بحيوية الحاضر الاقتصادي والتعليمي. ومن يزور هذه المدينة العريقة ولم يتذوق من زيت زيتونها الشهير، فكأنما لم يذق الزيت طيلة حياته؛ فهذه الحقيقة التاريخية والجغرافية يتوارثها الأجيال المتعاقبة من سكان المدينة وزوارها الذين وقعوا في حب تفاصيلها. وتنفرد صفاقس بكونها المدينة الوحيدة في العالم التي ارتبط تشييد وترميم بعض أجزاء أسوارها التاريخية بزيت الزيتون، خاصة عندما هدم الاستعمار أجزاءً من جدرانها العتيقة، لتظل هذه الأسوار شاهدة على الجمال والصمود عبر العصور والحضارات المتعاقبة.
أسوار عتيقة وأسواق تنبض بالحياة اليومية
تضم الأسوار التاريخية لـ مدينة صفاقس التونسية كنزاً لا يفنى من الحكايات والمهن التقليدية والحرف اليدوية. وسواء دخل الزائر المدينة من “باب القصبة”، “باب الديوان”، “الباب الجبلي”، “الباب الشرقي”، أو “الباب الغربي”، فإنه يستنشق عبق الماضي ويرى تفاصيل الحياة اليومية لأهل المكان. وتتوزع داخل هذه الأسوار أسواق عتيقة شهيرة، مثل “سوق الربع” المعروف بتجارة الملابس التقليدية والحرف اليدوية، و”سوق الكامور” الذي يجذب عشاق الروائح العطرية والمنتجات التقليدية، بالإضافة إلى “سوق الصباغين” المرتبط تاريخياً بدباغة الجلود، و”سوق السمك” (أو سوق الفرياني كما يسميه السكان المحليون والمختص بلوازم الخياطة)، و”سوق بوشويشة” للخضار والفواكه، و”سوق الحدادين” الذي يعكس مهارة الحرفيين الصفاقسيين.
تاريخ مدينة صفاقس التونسية وصمودها ضد الغزاة
لطالما كانت صفاقس عصية على الغزاة عبر التاريخ، حيث قدم أهلها دروساً في البطولة والفداء. ويعود أحد أشهر هذه المواقف إلى القرن الثاني عشر الميلادي إبان الاحتلال النورماندي للمدينة، حيث سطر الأهالي ملحمة “الحاجوجة” البطولية؛ إذ جمعوا الفول من البيوت بعدد الرجال القادرين على حمل السلاح، وأشعلوا ثورة عارمة استخدموا فيها المشاعل الموقدة بزيت الزيتون لدحر المحتلين. ولم تتوقف مقاومة المدينة عند هذا الحد، بل واجهت القصف الإيطالي من أسطول البندقية في 5 مايو 1786، مما أسفر عن سقوط العديد من الشهداء في الربض القبلي المواجه للباب الجبلي. كما شهدت المدينة غلياناً شعبياً كبيراً ومواجهات دامية ضد الاحتلال الفرنسي، لا سيما في 18 يناير و5 مايو من عام 1952، وهي محطات تاريخية توجت بتقديم تضحيات جسيمة من أجل استقلال تونس.
التطور العمراني والامتداد الجغرافي الحديث
تتميز صفاقس بتناغم فريد بين أحيائها العتيقة ومناطقها الحديثة. فمن الطرقات الحيوية مثل “طريق المطار” الذي يضم أزقة عتيقة تُعرف محلياً بـ “الزنقة” (مثل زنقة السردينة، زنقة الشيشمة، زنقة العربي، وزنقة الجبانة)، إلى الأحياء السكنية الحديثة مثل حي الأنس، حي الحبيب، حي البحري، وحي النور والمحارزة. وتلتقي هذه المسارات العمرانية عند منطقة “باب البحر” التي تمثل قلب المدينة العصري، حيث المؤسسات المالية، الفنادق الفارهة، والأسواق الحديثة. ويمتد هذا النسيج الاجتماعي المتكامل ليشمل المعتمديات والمدن التابعة لولاية صفاقس مثل جزيرة قرقنة الساحرة، الصخيرة، عقارب، المحرس، الغريبة، بئر علي بن خليفة، جبنيانة، العامرة، الحنشة، منزل شاكر، وطينة.
قاطرة الاقتصاد والتعليم في تونس
بفضل عزيمة رجالاتها ونظرتهم المستقبلية القائمة على التعويل على الذات، تحولت صفاقس إلى العاصمة الاقتصادية للبلاد التونسية وقطباً صناعياً وتجارياً بارزاً على المستوى الإقليمي والدولي. ولا يقتصر تميز المدينة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تُعد صفاقس القطب التعليمي والعلمي الأول في تونس، حيث تحصد مؤسساتها التربوية سنوياً المراتب الأولى في الامتحانات الوطنية. إن هذا النموذج الفريد في الجدية والانضباط يمثل الركيزة الأساسية التي تحتاجها المجتمعات لبناء نهضتها الشاملة، لتظل صفاقس دائماً كالذهب الذي لا يصدأ ولا يزول بريقه مهما تعاقبت الأزمان.
The post مدينة صفاقس التونسية: تاريخ عريق وعاصمة اقتصادية نابضة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

