تعتبر قصة اكتشاف النفط في شرق المملكة العربية السعودية واحدة من أعظم الملاحم الاقتصادية والتاريخية في القرن العشرين. في قلب هذه القصة يبرز اسم الجيولوجي كروغ هنري (Schuyler B. Krug Henry)، الذي يُعرف بلقب «راعي الأوّله»، لكونه أول أمريكي تطأ قدماه أرض الظهران. بدأت هذه الرحلة المحفوفة بالتحديات في مطلع الثلاثينيات، وتحديداً بعد توقيع اتفاقية الامتياز التاريخية بين الحكومة السعودية وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (التي أصبحت لاحقاً أرامكو السعودية) في 29 مايو 1933. منحت هذه الاتفاقية الشركة حق التنقيب في مساحة شاسعة تبلغ نحو 371,263 ميلاً مربعاً. في ظل ظروف الكساد الاقتصادي العالمي آنذاك، كانت المملكة تبحث عن موارد جديدة، وجاءت هذه الخطوة لتشكل نقطة تحول جذرية.

رحلة كروغ هنري وتحديات الصحراء القاحلة

ترك كروغ هنري وزملاؤه الجيولوجيون حياتهم العصرية في الولايات المتحدة ليواجهوا قسوة الصحراء العربية. في 23 سبتمبر 1933، وصل أول فريق مكون من أمريكيين اثنين إلى ساحل الجبيل قادمين من البحرين. ارتدى هنري وزميله روبرت بيت ميلر الثياب العربية والكوفية والعقال للاندماج مع البيئة المحلية، وانطلقا في سيارة فورد عبر الكثبان الرملية. لم تكن الظهران في ذلك الوقت سوى صحراء قاحلة، حيث أقاموا في خيام بدائية وعملوا تحت لهيب الشمس الحارقة. يُحسب لهنري أنه أول من قام بفحص قبة الدمام الجيولوجية، وأول من حدد مواقع حفر الآبار في الظهران، بما في ذلك بئر الدمام رقم 7 الشهيرة، كما رسم أول خريطة جيولوجية للمنطقة الشرقية باستخدام كاميرا مسح جوي.

الأثر الاقتصادي والتحول الإقليمي والدولي

لم تكن جهود فريق التنقيب مجرد مغامرة علمية، بل كانت حجر الأساس لتحول اقتصادي هائل. بعد سنوات من المحاولات المضنية، تدفق النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير) في 4 مارس 1938. هذا الحدث لم يغير وجه المملكة العربية السعودية محلياً فحسب، بل امتد تأثيره إقليمياً ودولياً. فقد وفر هذا الاكتشاف مصدراً هائلاً للطاقة ساهم في دفع عجلة الاقتصاد العالمي، خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وجعل من السعودية لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة العالمي، وأسس لظهور عملاق النفط أرامكو.

حياة كروغ هنري العائلية وتأسيس مجتمع الظهران

إلى جانب إنجازاته المهنية، يحمل تاريخ كروغ هنري جانباً إنسانياً وعائلياً فريداً. خلال إجازة صيفية في لبنان عام 1934 هرباً من حرارة الصحراء، التقى هنري بشابة لبنانية تدعى أنيت في فندق القاصوف ببلدة ظهور الشوير. توج هذا اللقاء بالزواج، لتصبح أنيت لاحقاً أول زوجة أمريكية تلتحق بزوجها في الظهران في أبريل 1937، برفقة طفلتهما ماري لو، التي كانت أول طفلة أمريكية في مجتمع أرامكو.

شهد الزوجان تحول الظهران من مخيم صحراوي إلى مدينة عصرية متكاملة المرافق. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، اضطر هنري لإبعاد عائلته مؤقتاً إلى القاهرة لحمايتهم، لكنهم عادوا في عام 1948 ليستقروا في رأس تنورة، حيث عملت أنيت كمعلمة للغة الفرنسية. استمر الزوجان في السعودية حتى تقاعدهما عام 1957، ليكونا من أواخر المغادرين من فريق التنقيب الأول. توفي هنري في سان فرانسيسكو عام 1981، ولحقته أنيت عام 2002، تاركين خلفهما إرثاً لا يُنسى في قصة اكتشاف الذهب الأسود.

The post قصة كروغ هنري: أول أمريكي يصل الظهران لاكتشاف النفط appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version