كشفت تقارير صحفية حديثة عن تحرك عسكري استراتيجي بارز، حيث اتخذت غواصة نووية بريطانية موقعاً متقدماً لها في مياه بحر العرب. هذا التحرك المثير للاهتمام، والذي نشرته صحيفة “ديلي ميل”، يمنح المملكة المتحدة قدرة فائقة على شن ضربات عسكرية بعيدة المدى في حال تصاعدت وتيرة التوترات واندلعت مواجهة عسكرية أو حرب مع إيران. وتأتي هذه الخطوة في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد، مما يطرح تساؤلات عديدة حول الدور البريطاني المحتمل في حماية الملاحة الدولية.

رحلة “إتش إم إس أنسون” وقدراتها التسليحية الفائقة

قطعت الغواصة “إتش إم إس أنسون” (HMS Anson)، وهي غواصة هجومية متطورة، مسافة تقدر بنحو 5500 ميل بحري بعد مغادرتها قاعدة بيرث في وقت سابق من هذا الشهر لتصل إلى نقطة تمركزها الحالية. وتتميز هذه الغواصة بتسليح مرعب يشمل صواريخ كروز من طراز “توماهوك بلوك آي في” (Tomahawk Block IV) وطوربيدات “سبيرفيش” المدمرة. وبفضل مفاعلها النووي المتطور، تمتلك الغواصة ميزة استراتيجية هائلة؛ إذ يمكنها العمل دون الحاجة إلى الصعود للسطح أو إعادة التزود بالوقود طوال فترة خدمتها الافتراضية التي تمتد لـ 25 عاماً. كما أنها مزودة بأنظمة ذاتية لتنقية المياه والهواء. ومع ذلك، تبقى نقطة الضعف الوحيدة هي القدرة الاستيعابية للمؤن الغذائية، والتي تكفي طاقمها المكون من 98 ضابطاً وبحاراً لمدة ثلاثة أشهر فقط.

التواصل السري وإدارة العمليات البحرية

تعتمد الغواصة في مهامها على التخفي التام، حيث تطفو على السطح بشكل دوري ومدروس فقط للتواصل مع المقر المشترك الدائم لبريطانيا في نورثوود. وفي هذا المقر، يتم التصديق على أي أوامر إطلاق استراتيجية من قبل رئيس الوزراء البريطاني، ليتم نقلها لاحقاً عبر رئيس العمليات المشتركة. وأكدت مصادر عسكرية أن الغواصة ستظل مختفية في صمت مطبق، ورغم إطلاع القيادات العليا على موقعها، إلا أن مكان تواجدها الدقيق سيبقى سراً عسكرياً محاطاً بالكتمان. وتسمح هذه التكتيكات للبحرية الملكية بنشر غواصاتها بسرعة فائقة في مواقع محددة وتركها هناك لأسابيع متتالية كقوة ردع جاهزة للتدخل.

السياق التاريخي لمهام أي غواصة نووية بريطانية في المنطقة

لم يكن التواجد العسكري الغربي في مياه الشرق الأوسط وليد اللحظة، بل يمتد لعقود من الزمن ارتبطت بحماية خطوط إمداد الطاقة العالمية. تاريخياً، شكل بحر العرب ومضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره خُمس إنتاج النفط العالمي. وقد تصاعدت الحاجة إلى هذا التواجد منذ “حرب الناقلات” في الثمانينيات، مروراً بالتوترات المتكررة حول البرنامج النووي الإيراني. إن إرسال غواصة نووية بريطانية اليوم يعيد إلى الأذهان التحالفات الاستراتيجية القديمة بين لندن وواشنطن لضمان حرية الملاحة، ويؤكد على استمرار العقيدة العسكرية الغربية التي تعتبر أمن الخليج العربي وبحر العرب جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العالمي والاقتصادي.

التداعيات الإقليمية والدولية لحماية مضيق هرمز

يحمل هذا التحرك العسكري أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد من النطاق المحلي إلى الساحة الدولية. إقليمياً، يبعث تمركز الغواصة برسالة طمأنة للحلفاء التجاريين والدول المطلة على الخليج، مفادها أن المجتمع الدولي لن يتهاون في حماية الممرات المائية. ودولياً، يشكل هذا التواجد قوة ردع تهدف إلى منع أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز، وهو السيناريو الذي قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية وتفاقم الأثر الاقتصادي على المملكة المتحدة والعالم. وقد حذرت بريطانيا بوضوح من أن إقدام طهران على توسيع هجماتها ضد السفن التجارية غير المسلحة والبنية التحتية المدنية سينذر بدفع المنطقة نحو منزلق خطير من الأزمات المتتالية.

الموقف السياسي: بين خفض التصعيد والردع الحازم

على الصعيد السياسي، عقدت الحكومة البريطانية اجتماعات مكثفة لمناقشة التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط. وشدد أعضاء الحكومة على ضرورة خفض التصعيد بشكل عاجل والتوصل إلى حلول دبلوماسية تنهي شبح الحرب. وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن لندن لن تنجر بسهولة إلى صراع مفتوح مع إيران. ورغم رفضه المبدئي لطلبات أمريكية سابقة باستخدام القواعد البريطانية لشن ضربات مباشرة لضمان الشرعية الدولية، إلا أن الموقف شهد تعديلاً استراتيجياً. فقد لفت ستارمر إلى إمكانية السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة “فيرفورد” الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي، وقاعدة “دييغو غارسيا” المشتركة في المحيط الهندي، ضمن إطار الدفاع الجماعي عن النفس واستهداف مواقع الصواريخ التي تهدد الملاحة البحرية.

The post غواصة نووية بريطانية في بحر العرب وسط توترات إيران appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version