دفعت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، لا سيما الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية والاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز، العالم نحو تحول جذري ومتسارع. هذا التحول ينقل الدول من مرحلة «اقتصاديات السلم» إلى ما يُعرف بـ «اقتصاديات الردع»، وذلك في ظل سباق التسلح العالمي المتصاعد الذي أعاد تعريف أولويات الدول الكبرى والإقليمية بشكل غير مسبوق.

الجذور التاريخية للتحولات الأمنية الحديثة

تاريخياً، شهد العالم فترات متعددة من التنافس العسكري، أبرزها حقبة الحرب الباردة التي أسست لمفهوم الردع النووي والتقليدي. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، اتجهت العديد من الدول نحو تقليص ميزانياتها الدفاعية لصالح التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إلا أن العقد الأخير، وما تحمله من صراعات إقليمية ودولية معقدة، أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، ولكن بأدوات تكنولوجية مختلفة. اليوم، يؤكد مختصون لـ«عكاظ» أن الصناعة العسكرية لم تعد مجرد أداة أمنية تقليدية لحماية الحدود، بل تحولت إلى رافد اقتصادي وإستراتيجي متكامل. هذا التحول مدفوع بارتفاع قياسي في الإنفاق الدفاعي العالمي الذي تجاوز حاجز الـ 2.4 تريليون دولار، مما يعكس حالة من عدم اليقين الأمني تدفع الدول لإعادة تسليح نفسها.

التداعيات الإقليمية والدولية في ظل سباق التسلح العالمي

يحمل هذا التوجه تأثيرات عميقة على كافة الأصعدة. فعلى الصعيد الدولي، يتزامن هذا التحول مع تغيّر جذري في سياسات دول كبرى؛ من أبرزها توجه اليابان لرفع الحظر عن تصدير الأسلحة الفتاكة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، مما يعكس تحولات إستراتيجية في البيئة الجيوسياسية العالمية. إقليمياً، أصبحت منطقة الشرق الأوسط بؤرة لهذا التنافس، حيث تسعى الدول لتوطين الصناعات العسكرية لحماية أمنها القومي. ومحلياً، يدفع هذا التوجه الحكومات إلى توظيف الصناعات الدفاعية في تنويع اقتصاداتها وتوليد وظائف نوعية.

تقنيات الحرب الشبكية وإعادة تعريف التفوق

أوضح المستشار الإستراتيجي الدكتور محمد عمر مالك أن صراعات الشرق الأوسط تجاوزت أنماط الحروب التقليدية، مسرّعة الانتقال نحو «الحرب الشبكية» القائمة على التكنولوجيا. وبيّن أن تقنيات الذكاء الاصطناعي، التخفي، التشويش، الأسلحة فرط الصوتية، وأنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، أعادت تعريف التفوق العملياتي، فيما برزت الطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحتها كأحد أهم ميادين التنافس العسكري. وأضاف أن الأولوية لم تعد للقوة البشرية أو عدد المنصات، بل لقدرات مثل الاستخبارات الفضائية، البصريات الإلكترونية، وحتى تقنيات الليزر، مشيراً إلى أن أنماط القيادة تتجه نحو اللامركزية المدعومة بالأنظمة الرقمية.

التحالفات الجديدة: التقنية مقابل الشراكة

أكد مالك أن تصاعد التوترات يدفع الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بالتوازي مع البحث عن صيغ تعاون جديدة تقوم على نقل المعرفة والتصنيع المشترك. من جهته، قال الباحث الإستراتيجي الدكتور محمد القحطاني إن ما يشهده العالم يعيد تعريف مفهوم الأمن القومي، إذ لم يعد التسلح خياراً بل ضرورة. وأضاف أن التحالفات الدولية باتت ترتكز على الشراكات الدفاعية والتكنولوجية، متوقعاً بروز تحالفات جديدة في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن سوق السلاح العالمي يتجاوز 600 مليار دولار سنوياً، مع معدلات نمو بين 4% و7%.

تداخل غير مسبوق بين الأمن والاقتصاد

بدوره، أوضح المستثمر في قطاع الدفاع والفضاء عبدالله المليحي أن العالم يدخل مرحلة يتداخل فيها الأمن مع الاقتصاد بشكل غير مسبوق. ولفت إلى أن التوترات الإقليمية دفعت الدول نحو الاكتفاء الذاتي والاستثمار في التقنيات الحديثة كالأمن السيبراني. وتوقع المليحي ظهور شبكات تحالف مرنة تقوم على «الأمن المشترك»، مما يسهم في نقل التقنيات للقطاعات المدنية ويدعم الابتكار. وخلص المختصون إلى أن قطاع الدفاع مرشح للنمو بمعدل سنوي يقارب 3.1%، مع التحذير من أن النمو المدفوع بالحروب قد يخلف اختلالات اقتصادية طويلة المدى إذا لم يتم تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والاستدامة الاقتصادية.

The post سباق التسلح العالمي: تحول التحالفات نحو اقتصاديات الردع appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version