تظل أعظم الأعمال الأدبية تلك التي تنبع من بيئة كاتبها الأصيلة، وتنبض بتفاصيل حياته وتجاربه. ورواية “الحزام” للكاتب السعودي أحمد أبو دهمان هي تجسيد حي لهذه الفكرة، حيث لم تكن مجرد سرد قصصي، بل وثيقة أدبية فريدة ولدت من رحم قرية معلقة بين السماء والأرض في جنوب المملكة العربية السعودية.
سياق أدبي فريد: من الشعر الشفهي إلى الرواية العالمية
في المشهد الأدبي للجزيرة العربية، الذي هيمنت عليه لقرون طويلة تقاليد الشعر الشفهي والنبطي، جاءت الرواية كشكل فني حديث نسبيًا. وفي هذا السياق، يبرز إنجاز أحمد أبو دهمان كخطوة جريئة ومدهشة، فهو لم يكتفِ بكتابة رواية فحسب، بل اختار أن يكتبها باللغة الفرنسية، ليصبح بذلك أول روائي من الجزيرة العربية ينشر عمله الأول بهذه اللغة. هذا الاختيار لم يكن اعتباطيًا، بل كان جسرًا ثقافيًا مدّه أبو دهمان من قريته المنعزلة إلى قلب أوروبا، ليقدم للقارئ الغربي نافذة مباشرة على مجتمع ظل لفترة طويلة محاطًا بالغموض والصور النمطية.
“الحزام”: تاريخ قرية وتفاصيل حياة
لم يكتب أبو دهمان رواية بالمعنى التقليدي، بل كتب سيرة ذاتية لمكان، مؤرخًا لحياة قريته بكل تفاصيلها الدقيقة. يستعرض العمل طقوس الحياة اليومية: من الزواج والطلاق، مرورًا بمفاهيم الغنى والفقر، وصولًا إلى الأدوار الاجتماعية للمرأة والرجل. يصف الكاتب ببراعة كيف كانت الأحداث الكبرى، مثل احتفالات الختان الجماعي للشباب، بمثابة مناسبات تعزز الروابط المجتمعية. كما يقدم فلسفة أهل القرية الخاصة تجاه الحياة والموت، حيث كان المرض يُعتبر وهمًا أو كذبًا للتهرب من العمل، والموت هو الحقيقة الوحيدة. هذه التفاصيل العميقة تمنح الرواية بعدها الأنثروبولوجي، وتجعلها أكثر من مجرد عمل أدبي.
صدام الحداثة والتقاليد: المدرسة والطبيب
تؤرخ الرواية للحظة فارقة في تاريخ القرية، وهي وصول مظاهر الحداثة الأولى، متمثلة في أول مركز صحي وأول مدرسة. يصور أبو دهمان ببراعة حالة الصدمة والمقاومة التي أبداها الأهالي تجاه هذه “الكائنات الغريبة” الدخيلة. فالمدرسة، بمعلميها القادمين من دول مجاورة، كانت تمثل نظامًا جديدًا يهدد أسلوب الحياة التقليدي. لقد ألغت أعلام القبائل ليرفرف علم الوطن، واستبدلت أناشيد الحقول والرعاة بالنشيد الوطني، وهو ما شكل تحديًا لهوية الأجيال القديمة. هذا الصراع بين القديم والجديد هو قلب الرواية النابض، ويعكس التحولات الكبرى التي مرت بها المملكة العربية السعودية في تلك الفترة.
الأهمية والتأثير: جسر بين الثقافات
على الصعيد المحلي، تُعد “الحزام” عملاً توثيقيًا يحفظ ذاكرة منطقة وتراثها الشفهي من الاندثار. أما إقليميًا، فقد وضعت الرواية كاتبها في مصاف كبار الأدباء العرب الذين تناولوا ثيمات التحول الاجتماعي والهوية، مثل الطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال” وعبد الرحمن منيف في “مدن الملح”. ودوليًا، حققت الرواية نجاحًا كبيرًا في فرنسا وأوروبا، حيث قدمت صورة إنسانية مغايرة عن المجتمع السعودي، بعيدًا عن التحليلات السياسية أو الاستشراق السطحي. لقد أتاحت للقارئ الفرنسي أن يرى بعيون طفل من قرية سعودية كيف تبدو الحياة، والحب، والشعر، والطبيعة، حيث للشمس والقمر أسماء ووظائف شعرية مختلفة.
في النهاية، تظل رواية “الحزام” شهادة على أن الأدب العظيم قادر على عبور الحدود الجغرافية واللغوية. لقد استخدم أبو دهمان لغة فولتير ليروي حكاية أجداده، فأضاء بذلك عوالم بعيدة كانت متعطشة لمعرفة قصة ذلك الشاعر القادم من أرض لا تلد إلا الشعراء، مكرّسًا اسمه في سجل المبدعين الخالدين.
The post رواية الحزام: كيف قدم أحمد أبو دهمان قريته للعالم بالفرنسية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

