برحيل الدكتور سعيد السريحي، لا تفقد الساحة الثقافية السعودية والعربية ناقداً كبيراً فحسب، بل تودع قامة فكرية ومثقفاً موسوعياً نادراً، استطاع أن يجمع بين عمق المعرفة التراثية، ونبل الأخلاق، ورهافة الحس الإنساني، مشكلاً بذلك ظاهرة ثقافية فريدة امتد أثرها لعقود.

رمز الحداثة والتجديد الثقافي

يُعد السريحي واحداً من أبرز الأسماء التي شكلت المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية خلال العقود الأربعة الماضية. لم يكن مجرد ناقد عابر، بل كان رائداً من رواد التجديد والحداثة، خاض معارك فكرية رصينة من أجل ترسيخ مفاهيم النقد الحديث. لقد كان حضوره في الأندية الأدبية، وتحديداً النادي الأدبي بجدة، وفي الصحافة الثقافية عبر جريدة «عكاظ»، بمثابة البوصلة التي توجه جيل الشباب نحو آفاق أرحب من الكتابة والتفكير.

إذا تحدث السريحي أجبرك على الإنصات، لا بقوة الصوت بل بعمق الفكرة وحضور الحكيم الذي تدرك فوراً أن كل كلمة تخرج منه تستحق أن تُسمع وتُدون. كنت تتمنى ألا يسكت وأن يطيل البقاء في فضاء الكلام؛ لأن حديثه لا يمر عابراً بل يستقر في العقل والوجدان. ورغم أن الصوت قد غاب الآن طوعاً وإجباراً، إلا أن المعنى لم يغب، وسيظل ينطق في أعماق محبيه وتلاميذه، وستبقى كلماته عالقة في الأذهان كشاهد على مرحلة ذهبية من تاريخنا الثقافي.

الناقد الموسوعي والفنون البصرية

كان الراحل غريباً في تميزه، موسوعياً في ثقافته؛ فهو الفقيه العميق في الدين والشريعة، والعالم بأسرار اللغة العربية، والناقد الأدبي الرصين. إلا أن الجانب الذي قد يغفل عنه البعض هو كونه متذوقاً استثنائياً للفنون البصرية. كان يمتلك في هذا الحقل معرفة دقيقة ولافتة، قائمة على تفاصيل وأرقام وقراءات عميقة تفوق أحياناً ما يملكه المتخصصون الذين مارسوا هذا الفن أو درسوه أكاديمياً. تشعر وأنت تستمع إليه أن مفاتيح هذا العالم كانت حاضرة لديه بوعي الباحث المتعمق لا بسطحية المتلقي العابر.

ولعل من أبرز مآثره تخصيصه صفحة أسبوعية للفنون البصرية إبان عمله الصحفي، لم تكن تلك الصفحة مجرد مساحة عرض عابرة لملء الفراغ، بل تحولت بفضل رؤيته إلى منبر ثقافي حي، شارك فيه بفكره وأطروحاته المختلفة، وبعناوينه الذكية التي رسخت في الذاكرة وصنعت وعياً بصرياً حقيقياً لدى القارئ. كان يتعامل مع الفن التشكيلي والبصري بوصفه خطاباً معرفياً لا يقل شأناً عن الأدب، مانحاً الفنان حقه الكامل من القراءة العميقة والاحترام النقدي.

المعلم النبيل.. مدرسة في الأخلاق

على المستوى الشخصي والمهني، كان السريحي معلماً نبيلاً، استفاد منه جيل كامل من الصحفيين والكتاب في فنون صياغة العناوين، وكتابة مداخل المواد، وبناء البروفايل الصحفي والأدبي. لم يكن تعديله للمواد جافاً أو فوقياً، ولا توجيهه قاسياً، بل كان يبتسم ويقول بكل تهذيب: «ما رأيك أن نكتبها كذا؟». فتدرك حينها أن ما يقدمه هو توجيه مغموس بالاحترام، وليس تصحيحاً يجرح النص أو يكسر صاحبه. كانت لغته تحمل تقديراً عميقاً لما كُتب، واقتراحاً يفتح أفقاً جديداً دون إلغاء ما قبله. لم يعب نصاً ولم يكسر قلماً، بل كان يصحح بروح الخبير، ويقترح بعقل الشريك، ويترك للكاتب حق الاختيار.

رحل الجسد، لكن الدرس بقي، والأثر استمر، وطريقته ونبرته وأخلاقه ستظل نبراساً. سيظل سعيد السريحي صوتاً حاضراً في الذاكرة الثقافية، وضميراً معرفياً نادراً علّمنا أن الكلمة مسؤولية كبرى، وأن النقد أخلاق وسلوك قبل أن يكون مجرد أدوات ومنهجيات. رحم الله الدكتور سعيد السريحي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه للفكر والثقافة والأدب في ميزان حسناته.

The post رحيل سعيد السريحي: رائد النقد السعودي وعراب الفنون البصرية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version