غيب الموت السيناتور ليندسي غراهام، أحد أبرز الوجوه السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، عن عمر يناهز الواحد والسبعين عاماً. لقد عُرف السيناتور ليندسي غراهام بمواقفه المتشددة والداعمة بشكل مطلق لإسرائيل، حيث كان من أشد الداعين لاتخاذ إجراءات عسكرية قاسية ضد كل من إيران وقطاع غزة. وقد وصلت تصريحاته إلى حد التلميح باستخدام الأسلحة النووية، مستحضراً مأساتي هيروشيما وناغازاكي، ضد كل من يقف في وجه المصالح الإسرائيلية. برحيله، يترك غراهام فراغاً كبيراً في أوساط أنصار إسرائيل الذين طالما رأوا فيه درعاً سياسياً متيناً داخل أروقة صنع القرار الأمريكي.

مسيرة حافلة بالتحولات: من كارولاينا الجنوبية إلى واشنطن

وُلد غراهام في عام 1955 بولاية كارولاينا الجنوبية، وشق طريقه الأكاديمي بنجاح حتى نال درجة الدكتوراه في القانون عام 1981. بدأ مسيرته التشريعية البارزة عندما شغل منصب سيناتور لأول مرة في عام 2003، ليصبح لاحقاً واحداً من أكثر الأصوات تأثيراً في السياسة الخارجية الأمريكية. لم تتوقف طموحاته عند قبة البرلمان، بل امتدت لتشمل السباق الرئاسي؛ حيث ترشح في عام 2015 للانتخابات الرئاسية، إلا أنه اضطر للانسحاب مبكراً بعد أن أدرك عدم حصوله على التأييد الشعبي الكافي. منذ تلك اللحظة، أعاد ترتيب أوراقه السياسية للتركيز على تعزيز نفوذه داخل الحزب الجمهوري.

العلاقة المعقدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

شهدت مسيرة غراهام السياسية تقلبات دراماتيكية، لعل أبرزها علاقته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبعد صدام علني وحاد بينهما، خاصة إبان أحداث الهجوم على مبنى الكابيتول (مقر الكونغرس)، تحول غراهام بشكل لافت ليصبح من أكبر الداعمين والمدافعين عن سياسات ترامب. هذا التحول البراغماتي كان يهدف بالأساس إلى الحفاظ على موقعه السياسي وكسب ود القاعدة الشعبية العريضة التي تدعم الرئيس، مما يعكس شخصية سياسية مستعدة لتغيير تحالفاتها في سبيل البقاء في دائرة الضوء والتأثير.

مواقف السيناتور ليندسي غراهام وتداعياتها الإقليمية والدولية

على الصعيد الدولي، اختار السيناتور ليندسي غراهام نهجاً تصادمياً واضحاً، حيث ناصب العداء لقوى عالمية وإقليمية مثل روسيا، الصين، وإيران. كان هذا النهج المتشدد أداة فعالة لكسب الدعم الداخلي، لا سيما من الكتل المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة. لقد قدم غراهام وعوداً وتصريحات غير مسبوقة، منها عدم ممانعته استخدام الخيارات النووية ضد طهران وغيرها، وهي تصريحات لم تكن مجرد زلات لسان، بل أوراق انتخابية مدروسة. كما أن زيارته الأخيرة إلى أوكرانيا قبل وفاته حملت رسائل سياسية موجهة للداخل الأمريكي بقدر ما كانت موجهة للخارج. إن غياب شخصية بهذا الثقل سيترك بلا شك أثراً ملموساً على ديناميكيات السياسة الخارجية الأمريكية، وقد يعيد تشكيل بعض التحالفات والضغوطات داخل الكونغرس.

رحيل الأشخاص وصمود الأوطان: فلسطين باقية

لم يكن غراهام مجرد مشرع عادي، بل كان يمثل تياراً سياسياً كاملاً يسعى لفرض رؤيته حتى لو كان ذلك على حساب شعوب بأكملها. لقد انتظر طويلاً الفرصة السانحة لتحقيق حلمه الأكبر في الوصول إلى قمة السلطة، مستخدماً كل الأوراق المتاحة لديه. ورغم كل تلك الجهود الجبارة والتحالفات القوية التي بناها لدعم الكيان الإسرائيلي وتهميش الحقوق الفلسطينية، أثبتت الأيام أن عمر الأوطان أطول بكثير من عمر الأشخاص. رحل غراهام بكل ما يمثله من نفوذ وقوة، وانطوت صفحته في عالم الفناء، بينما تقف فلسطين شامخة وصامدة، لتؤكد أن إرادة الشعوب وحقها في البقاء لا يمكن أن تُمحى بقرارات أو تصريحات سياسية، مهما بلغت قسوتها.

The post رحيل السيناتور ليندسي غراهام وصمود فلسطين: نهاية حقبة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version