تعد الدراسات الاستشراقية واحدة من أكثر الحقول المعرفية إثارة للجدل والنقاش في الأوساط الأكاديمية العربية والإسلامية على حد سواء. فمنذ نشأتها، تباينت المواقف حولها بين من يراها مشروعاً علمياً أسهم في خدمة التراث الإسلامي ونشره، وبين من يراها أداة أيديولوجية ارتبطت بالمشاريع الاستعمارية والدينية الغربية لتشويه صورة الشرق والإسلام. وفي هذا الحوار المعمق، يوضح الباحث والمؤرخ المتخصص في التاريخ الإسلامي المبكر، الدكتور عوض بن ناحي، أن الاستشراق ليس تياراً فكرياً مصمتاً أو مشروعاً واحداً، بل هو عبارة عن مدارس واتجاهات متعددة ومتباينة تتطلب قراءة نقدية متوازنة ومنصفة تفكك الانحيازات وتستوعب التحولات المعاصرة.

الجذور التاريخية وتطور حركة الاستشراق

يشير الدكتور عوض بن ناحي إلى أنه لا يوجد تاريخ محدد ومتفق عليه لبداية حركة الاستشراق، إذ تبلورت تدريجياً بفعل عوامل دينية، سياسية، اقتصادية، واستعمارية ارتبطت بطبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي وأوروبا النصرانية. وقد لعبت الحروب الصليبية، وسقوط الأندلس، والاكتشافات الجغرافية، والتوسع الاستعماري الأوروبي دوراً كبيراً في تعزيز الاهتمام بدراسة لغات الشرق وأديانه وثقافاته تمهيداً لفهم هذه المجتمعات والتعامل معها.

ويمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين في هذا التطور؛ بدأت الأولى من داخل الكنيسة بريادة شخصيات مثل قسطنطين الإفريقي، الذي جمع وترجم كتب الطب العربية في دير مونتي كاسينو جنوب إيطاليا. تلتها مبادرة بطرس المبجل سنة 1142م للإشراف على فريق ترجمة القرآن الكريم وبعض النصوص الإسلامية، والتي توجت بإتمام روبرت الكيتوني أول ترجمة لاتينية كاملة للقرآن الكريم سنة 1143م، متزامنة مع ازدهار حركة نقل المؤلفات العربية في الطب والفلسفة والفلك والرياضيات إلى اللاتينية.

أما المرحلة الثانية، فتمثلت في انتقال الدراسات الشرقية من المؤسسة الكنسية إلى الجامعات الأوروبية التي أنشأت كراسي وأقساماً متخصصة في لغات الشرق وثقافاته، مثل جامعة ليدن (1613م)، كامبريدج (1630م)، وأكسفورد (1636م). وبذلك تحول الاستشراق تدريجياً من نشاط كنسي ذي مقاصد جدلية إلى حقل أكاديمي منظم له مؤسساته ومناهجه.

تنوع المناهج في الدراسات الاستشراقية الحديثة

عند الحديث عن تصنيف المدارس الاستشراقية، يوضح د. عوض بن ناحي أنه يمكن تقسيمها جغرافياً إلى مدارس فرنسية، إيطالية، هولندية، ألمانية، بريطانية، وأمريكية (مع دمج الأخيرتين ضمن المجال الأنجلوسكسوني). أما وفق الاتجاهات الفكرية والمنهجية، فتبرز عدة مدارس رئيسية:

  • المدرسة التاريخية النقدية: اعتمدت نقد النصوص والمصادر الإسلامية، ومن أعلامها ثيودور نولدكه ويوليوس فيلهاوزن.
  • المدرسة الحضارية: درست الحضارة الإسلامية كمنظومة متكاملة، ومثلها توماس آرنولد وهاميلتون جب.
  • المدرسة الاجتماعية: اهتمت ببنى المجتمعات الإسلامية وثقافاتها، ولا سيما في الأوساط الفرنسية.
  • المدرسة الفيلولوجية: وظفت فقه اللغة في دراسة التراث الإسلامي والحديث النبوي، ومن أبرز أعلامها إغناس غولد تسيهر ويوسف شاخت.

وقد مهدت هذه الاتجاهات لظهور “المدرسة التنقيحية” أو التشكيكية (مدرسة المراجعين الجدد) في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، والتي لا تزال نشطة حتى اليوم بريادة أسماء مثل جون وانسبورو، باتريشيا كرون، مايكل كوك، غونتر لولينغ، يهودا نيفو، كريستوف لوكسنبرغ، فريد دونر، ستيفن شوميكر، وغابرييل سعيد رينولدز. أحدثت هذه المدرسة تحولاً جذرياً عبر إخضاع المصادر الإسلامية التقليدية لنقد صارم والاستعانة بالنقوش والمسكوكات والبرديات والمصادر غير الإسلامية المعاصرة لنشأة الإسلام.

بين المنجز العلمي الرصين والانحياز الأيديولوجي

يقدم الدكتور عوض بن ناحي تقييماً متوازناً للاستشراق، مؤكداً أن له إسهامات علمية جليلة لا يمكن إنكارها، وفي المقابل شابت بعض كتاباته انحيازات أيديولوجية واضحة. فقد أسهم المستشرقون والمؤسسات الأوروبية في جمع مخطوطات التراث العربي والإسلامي وفهرستها وتحقيقها ونشرها. وتبرز هنا دار “بريل” الهولندية التي نشرت مصادر تراثية بالغة الأهمية منذ القرن التاسع عشر، مثل “تاريخ الطبري”، “تاريخ اليعقوبي”، و”الكامل في التاريخ”. كما أسهم علماء الآثار والنقوش في فك رموز الخطوط القديمة وتوثيق آلاف البرديات والمواقع الأثرية، مما أتاح مقارنة الروايات الإسلامية بالأدلة المادية والمصادر الخارجية (السريانية، اليونانية، الأرمنية، القبطية، اللاتينية، الفارسية، والصينية).

في المقابل، اتسمت بعض الكتابات الاستشراقية بتحيزات دينية ونزعات استعمارية واستعلائية، ووقعت في فخ التعميم والأحكام النمطية والانتقائية. وظهر ذلك بوضوح لدى بعض “المراجعين الجدد” الذين بالغوا في التشكيك بالمصادر الإسلامية ومنحوا المصادر غير الإسلامية مصداقية مطلقة دون إخضاعها للمعايير النقدية ذاتها، محاولين تفسير نشأة الإسلام كأثر مباشر لليهودية والنصرانية أو ربط انتشاره بالقوة العسكرية فقط، والتشكيك في تاريخ القرآن الكريم رغم ما تقدمه المخطوطات المبكرة من أدلة مادية قوية على أصالته.

الاستشراق الجديد وتحولات الأكاديميا الغربية

يوضح د. عوض بن ناحي أن مصطلح “الاستشراق الجديد” لا يزال موضع خلاف، حيث يربطه البعض بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، والبعض الآخر بنهاية الحرب الباردة، بينما اتضحت ملامحه أكثر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وتميز هذا الاتجاه بتوسيع مجالات البحث لتشمل علم الاجتماع، دراسات المرأة، الحركات السياسية والدينية المعاصرة، وقضايا الهجرة والمسلمين في الغرب.

ومن اللافت أن المؤسسات الأكاديمية الغربية لم تعد تستخدم مصطلح “الاستشراق” على نطاق واسع، بل استبدلته بتسميات أكثر تخصصاً؛ حيث غيرت جامعة أكسفورد سنة 2022 اسم “معهد الدراسات الشرقية” إلى “معهد الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية”، وانحسر لقب “مستشرق” لصالح ألقاب مثل مؤرخ، لاهوتي، أو باحث. ورغم استمرار نشاط الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الغربية، إلا أنها تواجه تحديات مثل ضعف إقبال الطلبة وتراجع التمويل، وهو ما تجلى في انتقاد الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط في يوليو 2026 لقرار جامعة إكستر تقليص الوظائف الأكاديمية بمعهد الدراسات العربية والإسلامية. كما انتقل مركز الثقل الأكاديمي منذ الربع الأخير من القرن العشرين من أوروبا إلى الجامعات الأمريكية التي استقطبت باحثين بارزين مثل برنارد لويس، مايكل كوك، وروبرت هويلاند.

كيف يتعامل الباحث المسلم مع الأطروحات الغربية؟

في ختام حديثه، يؤكد الدكتور عوض بن ناحي على ضرورة تعامل الباحثين المسلمين مع هذه الدراسات بعقلية نقدية موضوعية، بعيداً عن الرفض المطلق أو القبول غير الممحيص. ويشدد على أهمية تمييز الباحث بين المدارس المختلفة وعدم الانبهار الخداع بقوة الطرح الغربي، بل التسلح بأدوات البحث العلمي الرصين وفهم الفوارق الثقافية والحضارية.

ويرى أن الرد العلمي الحقيقي على المغالطات لا يكون بالمنع أو الهجوم اللفظي، بل بتطوير البحث العلمي في أقسام العلوم الإنسانية بالجامعات العربية، وتأهيل كوادر أكاديمية تتقن اللغات الأجنبية والمناهج الحديثة لإنتاج بحوث رصينة تنشر في مجلات ومنصات عالمية، مما يسهم في تقديم معرفة موثوقة تؤسس لحوار معرفي متوازن يقوم على الاحترام المتبادل والإنصاف.

The post د. عوض بن ناحي: الدراسات الاستشراقية مدارس متباينة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version