في سجل الأسماء التي حفرت أثرها في وجدان المجتمع السعودي، يبرز اسم خير الله زربان كعلامة فارقة في مجالات التعليم والإعلام والثقافة. لم يكن مجرد موظف يؤدي واجبه، بل كان صاحب رسالة آمن بها وكرّس حياته لتحقيقها بهدوء العارفين وعمق الكبار، تاركاً وراءه إرثاً غنياً لا يمحوه الزمن.
خلفية ثقافية وإعلامية: ريادة في زمن التحولات
نشأ خير الله زربان في فترة شهدت فيها المملكة العربية السعودية تحولات ثقافية واجتماعية كبرى. كانت الصحافة الورقية هي المنبر الأبرز لتشكيل الرأي العام ونشر المعرفة، وفي هذا السياق، برز دور الملاحق الثقافية كحاضنة للمواهب ونافذة يطل منها المجتمع على الفنون والآداب. في هذه البيئة الخصبة، كان زربان من الرواد الذين أدركوا أهمية الكلمة والصورة في بناء جسور التواصل بين المبدع والجمهور، فأسس لمرحلة جديدة من الصحافة الثقافية المتخصصة.
الأثر التربوي: إنسانية تتجاوز حدود الفصل
قبل أن يكون إعلامياً لامعاً، كان خير الله زربان مربياً ومعلماً، وقد تجلت فلسفته الإنسانية بأبهى صورها في تعامله مع ذوي الاحتياجات الخاصة. لم ينظر إليهم كحالات تتطلب رعاية، بل كشركاء في الحياة يمتلكون طاقات وإمكانات فريدة. كان حضوره بينهم مصدراً للأمان والثقة، حيث بنى معهم علاقة قائمة على المحبة والاحترام المتبادل، ليثبت أن التعليم في جوهره هو فعل إنساني يهدف إلى تمكين الروح قبل تلقين العقول.
تأثيره في المشهد الفني: عرّاب الفن التشكيلي
يُعد خير الله زربان أحد أهم الأصوات التي منحت الفنون البصرية مكانتها اللائقة في الصحافة السعودية. فمن خلال إشرافه على ملحق «الأربعاء الثقافي» في صحيفة «المدينة»، حوّل الفن من موضوع نخبوي إلى لغة يومية يتداولها الناس. لقد آمن بأن الكلمة مسؤولية، فكتب عن الفن بصدق وعمق، مقدماً قراءات نقدية بناءة ودعماً غير مشروط للفنانين التشكيليين. لم يقتصر دوره على التغطية الإعلامية، بل امتد ليشمل رئاسة لجان إعلامية في جمعيات كبرى مثل الجمعية السعودية للفنون التشكيلية (جسفت)، ومعارض الكتاب المحلية والدولية، مما جعله عنصراً محورياً في تطور الحركة التشكيلية السعودية وانتشارها عربياً.
سفير الثقافة السعودية
على مدى أكثر من أربعة وثلاثين عاماً، مثّل خير الله زربان الثقافة السعودية خير تمثيل في المحافل الإقليمية والعالمية. كان سفيراً لصحيفة «المدينة» وللفن السعودي، يحمل على عاتقه مهمة التعريف بالإبداع المحلي. عمل بصمت وتفانٍ في لجان لا حصر لها في «تعليم جدة» والأندية الأدبية، مانحاً وقته وجهده دون انتظار مقابل. ورغم نيله العديد من الشهادات والتكريمات، ظل محتفظاً بتواضعه وبساطته، وصفاء روحه التي جعلته قريباً من قلوب الجميع.
إرث باقٍ في الذاكرة
اليوم، يودع خير الله زربان الخدمة الرسمية، لكنه لا يودع أثره الذي نسجه بالمحبة والعطاء. فإرثه باقٍ في قلوب طلابه، وفي مقالاته التي أضاءت دروب الفنانين، وفي ذاكرة مدينة جدة التي ارتبط اسمه فيها بالثقافة والجمال. إن مسيرة زربان هي شهادة حية على أن من يزرع الخير والمحبة لا يرحل أبداً، بل يبقى حضوره ممتداً في كل عمل جميل وكلمة صادقة.
The post خير الله زربان: أيقونة الإعلام والثقافة والفن في السعودية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

