بين تقييم يراه المستهلك انعكاساً صادقاً لتجربته الشخصية، وآخر تراه المنشأة التجارية إساءة متعمدة لسمعتها ومكانتها في السوق، تبرز تقييمات المواقع كأداة رقمية ذات حدين تتقاطع فيها حرية الرأي مع المسؤولية القانونية. ومع التحول الرقمي الهائل الذي تشهده الأسواق المحلية والعالمية، تزايدت التساؤلات حول الضوابط القانونية والأخلاقية التي تحكم هذه المنصات، والحد الفاصل الذي يحول النقد المباح إلى جريمة تشهير يعاقب عليها القانون، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد للمستهلكين على هذه التقييمات قبل اتخاذ قرارات الشراء أو زيارة المنشآت التجارية المختلفة.
التطور التاريخي لمنصات التقييم الرقمي وأثرها الاقتصادي
لم تكن التقييمات الرقمية وليدة اللحظة، بل تطورت تاريخياً مع بزوغ عصر الإنترنت وظهور منصات التجارة الإلكترونية الكبرى ومحركات البحث العالمية ومواقع السفر والضيافة. في البداية، كانت هذه المنصات بمثابة مساحات حرة لتبادل الآراء البسيطة، لكنها سرعان ما تحولت إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الرقمي الحديث. اليوم، تلعب هذه التقييمات دوراً حاسماً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي في توجيه سلوك المستهلك وصياغة السمعة الرقمية للشركات، مما يجعلها قوة اقتصادية قادرة على إنجاح منشأة أو تدميرها في لحظات معدودة، وهو ما دفع المشرعين حول العالم لسن قوانين صارمة لضبطها.
تجارب حية: كيف تؤثر تقييمات المواقع على المستهلكين والمنشآت؟
في استطلاع لصحيفة «عكاظ»، يوضح المواطن عماد العرفي أنه يستفيد بشكل كبير من هذه الآراء، خصوصاً عند زيارة مطعم للمرة الأولى، حيث تساعده في تكوين فكرة مبدئية عن مستوى الخدمة وجودة الطعام، مؤكداً حرصه على التقييم في الحالات المميزة جداً أو دون المستوى المتوقع. ويوافقه الرأي مروان الجهني، الذي يرى أن التقييمات تعكس تجارب شريحة واسعة من الزبائن، مشيراً إلى أنه من خلال تجاربه وجد أن معظم الملاحظات السلبية المذكورة في التقييمات كانت صحيحة ودقيقة، مما يجعله أكثر اهتماماً بالاطلاع عليها قبل اتخاذ قرار الزيارة.
على الجانب الآخر، تؤكد شهد الجهني، مالكة متجر إلكتروني، أن تقييمات العملاء أصبحت من أبرز العوامل المؤثرة في بناء الثقة والمصداقية وتعزيز المبيعات، حيث يعتمد عليها أغلب المتسوقين قبل الشراء. وفي المقابل، يشير خالد علي العمري، مالك محل شاي، إلى الجانب المظلم لهذه الأدوات، حيث واجه تقييمات غير عادلة وكيدية من أشخاص لم يجربوا الخدمة أساساً.
ومن جانبه، يرى عبدالله الجهني، مالك مقهى، أن هذه التقييمات مفيدة لكونها تعتمد على تجارب حقيقية، لكنه ينصح بعدم الاعتماد عليها وحدها لكون بعضها قديماً أو غير دقيق. ويضيف عبدالله أنه واجه تقييمات كيدية سابقاً، مؤكداً أن التقييم السلبي المنفرد وسط مئات التقييمات الإيجابية لا يؤثر كثيراً، خاصة إذا رد صاحب المنشأة باحترافية وعمل على حل المشكلة، مع الإبلاغ عن التقييمات المخالفة للسياسات ليتم التحقق منها.
الرؤية القانونية: متى تتحول التقييمات إلى جريمة تشهير؟
من الناحية القانونية، يوضح المحامي عمر عبدالله مطارد أن التقييمات الرقمية لم تعد مجرد رأي عابر، بل أداة اقتصادية مؤثرة تستوجب الحماية القانونية للمستثمرين والمستهلكين على حد سواء. وبيّن مطارد أن التقييم يتحول من نقد مشروع إلى جريمة تشهير ومعلوماتية يعاقب عليها القانون عند توفر ثلاثة أركان أساسية:
- السب والقذف: استخدام ألفاظ نابية ومسيئة تمس الأشخاص، مثل وصف أصحاب العمل أو العاملين بـ “النصابين” أو “الحرامية” بدلاً من تقييم الخدمة.
- الافتراء والكذب: تعمد كتابة تفاصيل مضللة ومختلقة لا أساس لها من الصحة لإسقاط سمعة المنشأة.
- الحملات الوهمية: الاستعانة بحسابات متعددة ومزيفة لشن حملات تقييم سلبية متتالية بقصد الإضرار المتعمد بالمنشأة وتشويهها.
وأشار المحامي مطارد إلى أن القانون يكفل حق النقد للمستهلك إذا التزم بضوابط محددة تشمل: الموضوعية (تركيز النقد على الخدمة أو السلعة كبطء الخدمة أو السعر دون المساس بالكرامة)، حسن النية (بهدف التوعية والتطوير لا التشفي والتدمير)، والواقعية (أن يعبر عن تجربة حقيقية مدعومة بأدلة كالفواتير أو الصور).
وحذر مطارد من أن النزاعات القانونية تبدأ عند حدوث الابتزاز التجاري (مساومة المنشأة على تقييم سلبي للحصول على خدمات مجانية)، أو عند ثبوت ضرر مادي مثبت يتسبب في خسائر مالية فادحة للممنشأة، أو في حالات المنافسة غير المشروعة المنسقة من قبل المنافسين لتشويه السمعة، وهي تصرفات تترتب عليها عقوبات مالية وإدارية مغلظة وإغلاق للحسابات المسيئة.
The post تقييمات المواقع: بين حرية الرأي وعقوبات التشهير القانونية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

