تسعى الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب إلى حشد حلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لدعم حملة دبلوماسية غير مسبوقة تستهدف تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، وهي الخطوة التي تنذر بتعميق الفجوة وزيادة حدة التوتر بين واشنطن وعواصم أوروبية عدة، في ظل تباين الرؤى حول السياسات الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية.

جذور الخلاف التاريخي بين واشنطن ولاهاي

تأسست المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002 بموجب ميثاق روما الأساسي، بهدف ملاحقة المتهمين بارتكاب أفظع الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية. ورغم أن الولايات المتحدة شاركت في صياغة الميثاق، إلا أنها لم تصادق عليه قط، خشية تعرض جنودها ومسؤوليها للملاحقة القضائية الدولية. وقد اتخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مواقف حذرة أو معادية للمحكمة، لكن حدة هذا العداء بلغت ذروتها مع فتح المحكمة تحقيقات في عام 2020 حول مزاعم ارتكاب القوات الأمريكية جرائم حرب في أفغانستان، مما دفع واشنطن لاعتبار هذه التحقيقات مساساً مباشراً بسيادتها الوطنية ومصالحها الأمنية العليا.

تحركات أمريكية خلف الكواليس لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية

خلال اجتماع مغلق لسفراء الدول الـ32 الأعضاء في حلف الناتو، عُقد في العاصمة البلجيكية بروكسل منتصف يوليو، طالب المبعوث الأمريكي لدى الحلف، ماثيو ويتكر، الدول الأعضاء بتقديم المساعدة الفعلية في تفكيك المحكمة الجنائية الدولية. ووفقاً لثلاثة دبلوماسيين تحدثوا لمجلة “بوليتيكو”، حث ويتكر الحلفاء على الانسحاب الفوري من “نظام روما الأساسي”، موجهاً رسالة حازمة مفادها أن واشنطن ستراقب عن كثب مواقف الدول الحليفة. وتزامن هذا الطلب مع توزيع البعثة الأمريكية وثيقة رسمية تؤكد عزم واشنطن على تفكيك قدرات المحكمة بصورة منهجية، ووقف أي دعم مادي أو لوجستي يقدم لها من قبل الشركاء.

انقسام أوروبي وتأثيرات جيوسياسية مرتقبة

أثارت هذه الضغوط الأمريكية المباشرة موجة من الانتقادات الحادة داخل أروقة الناتو، حيث وصفت مصادر دبلوماسية المطالب الأمريكية بأنها “صادمة ومخيبة للآمال”. وفي المقابل، أعلنت دول رئيسية مثل فرنسا وهولندا رفضها القاطع للمطلب الأمريكي، مؤكدة دعمها الثابت لاستقلالية المحكمة الجنائية الدولية ودورها في تحقيق العدالة العالمية. ويقود وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، هذه الحملة الشرسة متوعداً بإظهار العزم الأمريكي الكامل لحماية السيادة الوطنية، وهو ما يضع العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار حقيقي قد يعيد رسم موازين القوى والتحالفات الدولية تحت مفهوم “الناتو 3.0″، الذي تسعى واشنطن من خلاله لإجبار أوروبا على تحمل أعباء دفاعية أكبر بعيداً عن الهيمنة القانونية الدولية.

The post تفكيك المحكمة الجنائية الدولية: أمريكا تحشد الناتو appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version