في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تداولت العديد من التقارير الإعلامية أنباءً حول تعثر الحوار بين واشنطن وطهران. إلا أن مصادر باكستانية مطلعة صرحت لصحيفة «عكاظ» بأن مفاوضات إسلام آباد لم تفشل كما أُشيع، بل جرت في أجواء إيجابية وتمت جدولتها على مراحل زمنية محددة. وقد تركزت هذه المباحثات خلال الأيام الماضية على ثلاثة مسارات تفاوضية رئيسية، كان من أبرزها مسار بناء إجراءات الثقة المفقودة بين الطرفين، والذي حظي بالاهتمام الأكبر نظراً للفجوة العميقة التي تراكمت عبر عقود من الزمن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
السياق التاريخي وأهمية مفاوضات إسلام آباد
تعود جذور أزمة الثقة بين واشنطن وطهران إلى عقود طويلة من القطيعة الدبلوماسية والتوترات المستمرة منذ عام 1979. وعلى مر السنين، شهدت العلاقات بين البلدين محطات تصعيد وتبريد متعددة، تخللتها وساطات إقليمية ودولية مختلفة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية مفاوضات إسلام آباد الحالية، حيث تلعب باكستان دور «الضامن» والميسر لهذه الحوارات الحساسة. وقد سعت إسلام آباد إلى تقريب وجهات النظر عبر اقتراح إجراءات تدريجية، مثل خفض التصعيد الإعلامي والعسكري، وترتيبات غير معلنة لتبادل الرسائل والتفاهمات الأمنية. يهدف هذا الجهد إلى تمهيد الطريق لاحتمالات العودة إلى صيغ تفاوض غير مباشرة شبيهة بما جرى سابقاً في عواصم أخرى، محاولةً بذلك تفكيك العقد المستعصية في العلاقات الثنائية.
أبرز مسارات التفاوض ونقاط الخلاف الجوهرية
أكدت المصادر أن الخلاف بين الجانبين في المباحثات لم يكن مجرد خلاف تكتيكي، بل هو خلاف بنيوي وعميق يتعلق برؤية كل طرف لدوره في النظام الدولي والإقليمي. وقد حرصت إسلام آباد على تثبيت مسار بناء الثقة قدر الإمكان، رغم الاختلافات الجذرية حول عدد من الملفات الشائكة. ورغم الاتفاق على بعض النقاط، إلا أن تباين وجهات النظر حول قضيتين مهمتين حال دون التوصل إلى اتفاق شامل.
أوضحت المصادر القريبة من محيط المباحثات أن الوفدين طلبا وقتاً إضافياً لمزيد من التشاور، مشيرة إلى وجود خلافات حادة حول مسألة فتح مضيق هرمز. يشدد الطرف الإيراني على أن التحكم في فتح المضيق من عدمه هو شأن إيراني بحت، وهو أمر ترفضه واشنطن جملة وتفصيلاً. ويُعد مسار مضيق هرمز الأكثر حساسية، كونه يمثل جوهر الصراع الحقيقي للسيطرة على ممرات الملاحة الدولية، وليس مجرد ملف تفاوضي عادي. بالإضافة إلى ذلك، شملت الخلافات رفض طهران التخلي عن مخزونها الاستراتيجي من اليورانيوم المخصب. ورغم المحاولات الباكستانية لفصل الملفات (الثقة، الأمن، الاقتصاد) لتسهيل التقدم الجزئي، بقي الملف الاستراتيجي المتعلق بالمضيق عالقاً.
التأثير الإقليمي والدولي لنتائج المباحثات
لا يمكن التقليل من التداعيات الإقليمية والدولية لما تسفر عنه هذه اللقاءات. فمضيق هرمز يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، وأي توتر فيه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. لذلك، فإن ما تحقق حتى الآن أقرب إلى تفاهمات تكتيكية مؤقتة تهدف إلى «إدارة الأزمة» وليس «حل الأزمة». يسعى الطرفان إلى كسب الوقت دون تقديم تنازلات كبرى، مع التركيز على فتح قنوات تواصل وتخفيف حدة التصعيد.
وفي المحصلة، لم تُحسم القضايا الجوهرية مثل طبيعة الدور الإقليمي لإيران، وملف العقوبات، والضمانات الأمريكية، والترتيبات الأمنية طويلة الأمد. هذه القضايا هي التي تُعرّف أي تسوية استراتيجية حقيقية. وعليه، فإن المباحثات تعكس نجاحاً تكتيكياً محدوداً ضمن مسار زمني طويل ومعقد، لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة؛ إما عبر البناء التدريجي نحو تفاهم أوسع، أو العودة إلى مربع التصعيد إذا تعثرت خطوات بناء الثقة في المستقبل.
The post تفاصيل وحقيقة فشل مفاوضات إسلام آباد بين أمريكا وإيران appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

