لا يمكن النظر إلى مسودة الاتفاق التي سربها موقع «أكسيوس» بوصفها نصاً نهائياً، بل هي في جوهرها خارطة طريق أمريكية لاختبار سقف التفاوض مع طهران في لحظة إقليمية ودولية بالغة الدقة. إن الكشف عن بنود تقنية معقدة، مثل تجميد التخصيب لمدة 12 عاماً، في توقيت يشهد توتراً ملاحياً عالي الحساسية، يضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل مضيق هرمز والاتفاق النووي. هل تهدف هذه التسريبات إلى إنضاج تسوية حقيقية تبدأ بـ 30 يوماً من المفاوضات المعمقة كما تروج المسودة؟ أم أنها مجرد بالون اختبار لرمي الكرة في الملعب الإيراني وتبرئة ساحة واشنطن من تعثر المسار الدبلوماسي؟
الجذور التاريخية لمسار التفاوض النووي
لفهم أبعاد هذه التسريبات، يجب العودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015، مر الملف النووي الإيراني بمنعطفات حادة، أبرزها الانسحاب الأمريكي وتصاعد وتيرة تخصيب اليورانيوم من قبل طهران. هذا التصعيد لم يقتصر على المنشآت النووية، بل امتد تأثيره المباشر إلى أمن الممرات المائية، حيث باتت حرية الملاحة ورقة ضغط سياسية. إن الرد الإيراني السريع على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، والذي وصف البنود المسربة بأنها مجرد «قائمة أمنيات»، يؤكد أننا أمام اشتباك دبلوماسي معقد يستخدم المسودات كأدوات للضغط المتبادل قبل الجلوس الفعلي على طاولة القرار.
آليات الصفقة و«البند المرن» للرقابة
تعتمد المسودة المطروحة في جوهرها على آليات إجرائية تهدف إلى خلق «منطقة عازلة» زمنية تضمن استقرار الممرات المائية وسوق الطاقة العالمي. وتبرز في هذا السياق «مدة الـ 12 عاماً» كإطار زمني مقترح لتثبيت واقع نووي جديد. لكن العقدة الحقيقية تكمن في «البند المرن» الذي أضافته واشنطن، والذي يتيح زيادة مدة وقف التخصيب في حال رصد أي تجاوزات. بمعنى آخر، يعمل هذا البند كآلية زناد تقنية تمنح المفتشين الدوليين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات الوصول الفوري للمنشآت تحت طائلة العودة التلقائية للعقوبات دون الحاجة لتصويت جديد في مجلس الأمن. وبموجب هذا الربط، يصبح رفع الحصار الاقتصادي مرهوناً بجداول زمنية صارمة لإخراج اليورانيوم عالي التخصيب، ونقله المحتمل إلى طرف ثالث كضمانة تنفيذ ملموسة، وهو ما ترفضه طهران وتعتبره نزعاً للسيادة التقنية تحت ستار التفتيش.
التأثير الاستراتيجي لملف مضيق هرمز والاتفاق النووي
بموازاة التعقيدات الفنية للملف النووي، يمثل تأمين الممرات المائية الدافع الأساسي للاستعجال في طرح هذه المسودة. إن أهمية الحدث وتأثيره المتوقع تتجاوز النطاق المحلي لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره، فمضيق هرمز يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط تقريباً. التسريبات التي تتحدث عن «إعلان إنهاء الحرب» تعكس رغبة دولية جامحة في تحويل الممرات المائية من ساحات اشتباك إلى طرق تجارية آمنة ومستقرة. وسحب «مشروع الحرية» الأمريكي يمثل التنازل الميداني المقابل للمطالب التقنية، مما يجعل من المسودة محاولة لهندسة «هدنة اقتصادية» طويلة الأمد تضمن تدفق الطاقة مقابل تجميد الطموح النووي.
دور القوى الدولية في تأمين الملاحة
أما البند الذي يتعلق بضمان حرية الحركة في هرمز، فهو ركيزة إدارية تتيح للدول الإقليمية والشركات العالمية وضع خطط تشغيلية طويلة الأمد بعيداً عن مخاطر المصادرة أو الاستهداف الميداني. لذا، فإن المسودة في جوهرها هي محاولة لخصخصة الأمن الملاحي وجعله جزءاً من الاتفاق النووي. البحث عن ضامنين ودخول أطراف مثل الصين وباكستان في سياق هذه التسوية، عبر مسار «إسلام آباد 2»، يعطي المسودة طابعاً يتجاوز الرغبة الأمريكية المنفردة. فالصين تبحث عن استقرار الضرورة لحماية مسار الحرير ومبادرة الحزام والطريق، وهذا يجعل من التسريبات الأمريكية محاولة لاستقطاب بكين كضامن للجانب الإيراني في تنفيذ الالتزامات التقنية.
موقف الرئيس الأمريكي ترامب من التهديدات الميدانية
في ظل هذه التقاطعات المعقدة، يبرز التساؤل: هل نحن أمام مسودة واقعية تملك مقومات التنفيذ، أم مجرد مناورة إعلامية صُممت لتقاسم الوقت الضائع؟ إن تهديد الرئيس الأمريكي ترامب بالانتقال من مشروع الحرية إلى الحصار الفعال يطرح تساؤلاً أكثر عمقاً من تفاصيل التخصيب. كرئيس للولايات المتحدة، يضع ترامب ثقله السياسي والعسكري لضمان أمن الملاحة، مما يجعل الرهانات عالية جداً. هل يمكن لممرات الملاحة في هرمز أن تحتمل رهانات الورق المسرب بينما تظل الميدان الأول لترجمة أي فشل دبلوماسي؟ وإذا كانت المُهل الزمنية المتداولة لا تزال حبيسة التكهنات، فمن يضمن ألا تتحول الضمانات المؤقتة إلى مناورة لاستدراج الأطراف نحو مواجهة بكثافة غير مسبوقة؟
The post تفاصيل مسودة مضيق هرمز والاتفاق النووي: تفاهم أم إعادة تموضع؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

