بعد عقود من الممانعة والنقاشات الأكاديمية، جاء قرار مجلس الوزراء السعودي بتأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية ليمثل نقطة تحول تاريخية في مسيرة الدراسات الاجتماعية في المملكة. هذا القرار لم يكن وليد اللحظة، بل هو تتويج لمسيرة كفاح علمي قادها عالم الاجتماع الدكتور سعد الصويان لأكثر من 35 عاماً، حيث واجه وحيداً تحديات إدخال الدراسات الأنثروبولوجية للموروث الشعبي إلى قاعات الدرس الجامعي، متسلحاً بشغفه وإيمانه بأهمية توثيق الذاكرة الوطنية وسط مئات المتعاطفين وآلاف المناوئين الذين أشعلوا فيه روح التحدي.
جذور الاهتمام بالتراث الشفهي والرحلة نحو التوثيق
تاريخياً، عانت الدراسات الأنثروبولوجية في العالم العربي من تهميش نسبي، حيث كان التركيز ينصب غالباً على التاريخ الرسمي المكتوب، متجاهلين الغنى الثقافي الذي تحمله الروايات الشفهية. في هذا السياق الصعب، انطلق الدكتور سعد الصويان منذ عام 1983 في رحلة استغرقت نحو سبعة أعوام، جاب خلالها بوادي وحواضر وسط وشمال جزيرة العرب. كان هدفه انتزاع الموروثات الشفاهية من طي النسيان، حيث طاف ببيوت الشَّعَر ليوثق أبيات الشعر النبطي، وعقد حوارات مع كبار السن والمعمرين من رواة البادية. بدعم من مركز بحوث كلية الآداب في جامعة الملك سعود، جمع الصويان مادة صوتية ضخمة شملت الأشعار، القصص، الأنساب، الوسوم، والمعلومات الإثنوغرافية. لم يتوقف المشروع هنا، بل امتد لتأسيس “وحدة الذاكرة السعودية” في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، حيث حُولت التسجيلات إلى صيغ رقمية (MP3) لتصبح أرشيفاً حياً، مؤكداً أن الرواية الشفهية مكملة للتاريخ الرسمي ومصححة له، وأن الهوية تُبنى من قصص المجتمع المحلي.
الأثر الاستراتيجي لتأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا
يمثل إطلاق المعهد الملكي للأنثروبولوجيا خطوة استراتيجية تتجاوز حدود التوثيق المحلي لتصل إلى آفاق إقليمية ودولية. على المستوى المحلي، سيعمل المعهد كمنصة علمية لدراسة التنوع الثقافي ورصد تحولات الهوية في ظل التغير الاجتماعي المتسارع الذي تشهده السعودية. وكما أوضحت الدكتورة عبير القحطاني، سيسهم المعهد في تسهيل وصول الباحثين مستقبلاً إلى وثائق ومصادر مؤرشفة بدقة، مما يمكنهم من رسم خارطة بشرية وثقافية واقتصادية أكثر دقة. أما إقليمياً ودولياً، فإن هذا الكيان سيقدم مرجعية موثوقة للثقافة السعودية، ويسهم في فهم التجربة الإنسانية من خلال توظيف أدوات البحث الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي. هذا التوجه سيجعل من المملكة مركزاً عالمياً رائداً في الدراسات الأنثروبولوجية، مما يثري النقاش العلمي حول الأنماط الثقافية في شبه الجزيرة العربية.
سعد الصويان: الأب الروحي للأنثروبولوجيا السعودية
لا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون التوقف عند سيرة الدكتور سعد بن عبدالله الصويان. وُلد الصويان في عنيزة عام 1944، ونال البكالوريوس في علم الاجتماع عام 1971، ثم الماجستير في الأنثروبولوجيا من جامعة شمال إلينوي عام 1974. توج مسيرته الأكاديمية بالدكتوراه في الأنثروبولوجيا والفلكلور والدراسات الشرقية من جامعة كاليفورنيا – بيركلي عام 1982، بأطروحة رائدة عن الشعر النبطي. التحق بجامعة الملك سعود كأستاذ مساعد، وأشرف على متحف التراث الشعبي، وتدرج حتى نال رتبة أستاذ عام 2003. ورغم وجود جهود سابقة لرواد مثل الشيخ حمد الجاسر وعبدالله بن خميس وسعد الجنيدل، إلا أن الصويان تميز بمنهجيته العلمية الدقيقة التي جعلته يتفاعل مع المادة الشعبية كمنظومة حياة. من أبرز أعماله “جمع الشعر النبطي من مصادره الشفهية”، و”المشروع الوثائقي للملك عبدالعزيز”، وكتاب “ملحمة التطور البشري” الذي نال عنه جائزة الشيخ زايد للكتاب. وتقديراً لعطائه الممتد، كُرم بلقب “شخصية العام الثقافية” في السعودية لعام 2024 ضمن مبادرة الجوائز الثقافية الوطنية، وفاز بجائزة أمين مدني للبحث في تاريخ الجزيرة العربية، ليظل مرجعاً عالمياً في الثقافة الشفاهية.
The post تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا لتوثيق التراث السعودي appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

