لم تكن القضية الفلسطينية يوماً مجرد عنوان عاطفي يُرفع في لحظات الغضب، أو شعاراً يُستدعى عند الحاجة فقط. بل هي قضية إسلامية وعربية عادلة، ثابتة الجذور، وعميقة الامتداد في وجدان الأمة. لا يختلف على عدالتها عاقل، ولا ينازع في أحقيتها منصف. لكن الإشكال الحقيقي لم يكن يوماً في وضوح الحق، بل في الضباب الكثيف الذي يُصنع حولها، وفي الأيادي التي تتلاعب بها، حتى أصبحت عند البعض بوابة لادعاء الحق، وعند آخرين سُلّماً لتحقيق المصالح، وعند فئة ثالثة صنماً يُقدّس بلا وعي أو إدراك حقيقي للأبعاد السياسية.
جذور القضية الفلسطينية والسياق التاريخي للصراع
لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية التي شكلت مسار القضية الفلسطينية. منذ بدايات القرن العشرين، ومع تصاعد التوترات والانتداب، وقفت الأمة العربية والإسلامية صفاً واحداً لدعم حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه. هذا السياق التاريخي الممتد لعقود يؤكد أن الدفاع عن فلسطين ليس وليد اللحظة، بل هو التزام تاريخي وأخلاقي توارثته الأجيال. ومع مرور الزمن، تعقدت المشهدية السياسية، وتداخلت فيها أطراف دولية وإقليمية، مما جعل من الضروري التمييز بين من يقف مع الحق التاريخي بصدق، ومن يستغل هذا الإرث العظيم لتمرير أجندات لا تخدم سوى مصالحه الضيقة.
استغلال الشعارات: الدور الإيراني والمتاجرة الإقليمية
في خضم هذا المشهد المعقد، نجح النظام الإيراني في تسويق نفسه – عند شريحة من البسطاء – باعتباره حامل لواء الدفاع عن فلسطين. لكن الواقع الميداني والسياسي يكشف وجهاً آخر أكثر قتامة. فالقضية عنده ليست غاية سامية، بل وسيلة لاختراق المنطقة العربية، وبناء نفوذ إقليمي، وتغذية صراعات طائفية أدت إلى تمزيق دول بأكملها. رُفع شعار «تحرير القدس»، بينما كانت الأفعال على الأرض تسير في اتجاه مختلف تماماً، حتى أصبحت العديد من المدن العربية المنكوبة شاهداً حياً على هذا التناقض الصارخ. ومع تكرار الخطاب العاطفي وضعف الوعي السياسي لدى البعض، صُنعت هالة زائفة حول هذا الدور، حتى ارتقى عند بعض المخدوعين إلى مرتبة لا تُمنح إلا للأخيار الصادقين.
الحزبيون وتوظيف العاطفة لتحقيق مكاسب خاصة
وفي السياق ذاته، دخل الحزبيون وتيارات الإسلام السياسي على الخط، فاستثمروا حرارة القضية، وركبوا موجة التعاطف الشعبي، وحولوها إلى منصة تعبئة وجسر عبور لمصالحهم الخاصة. يرفعون شعارات ضخمة، ويقدمون أنفسهم حُرّاساً للمبدأ، بينما هم في الحقيقة يديرون لعبة مزدوجة: خطاب عاطفي موجه للجماهير، وحسابات دقيقة خلف الكواليس. ومع مرور الوقت، أصبح أتباعهم يرونهم فوق النقد، بل يحيطونهم بهالة من العِصمة، وكأنهم ملائكة لا يخطئون ولا يُسألون. وهنا يبدأ الانحراف الحقيقي: حين تُعطّل العقول باسم الدفاع عن المقدسات، ويصبح الولاء للحزب مقدماً على مصلحة الأوطان. إن أخطر ما أفرزته هذه الحالة هو تضخم التقديس للأشخاص والكيانات على حساب المبادئ، حتى اختل الميزان، فأصبح البعض يقيس الحق بالموقف العابر، لمجرد النطق بكلمة مؤيدة أو كتابة تغريدة متعاطفة.
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ
التأثير الإقليمي والدعم السعودي الحقيقي
إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع لا يقتصر على الداخل الفلسطيني، بل يمتد ليترك بصماته على المشهد الإقليمي والدولي. وفي مقابل حملات التضليل والمتاجرة، تبرز المواقف الرصينة التي تنصر القضية بصمت واتزان. المملكة العربية السعودية تمثل نموذجاً واضحاً ومشرقاً لهذا المسار؛ حيث تقدم الدعم المادي والسياسي والمعنوي اللامحدود منذ عقود طويلة. إنه دعم متواصل وثبات راسخ في تبني الحقوق كأولوية قصوى في المحافل الدولية. ومع ذلك، تتعرض المملكة لحملات تشويه ممنهجة ممن اختلت عندهم البوصلة. بل بلغ التناقض ببعضهم أن يفرح بما يصيب دول الخليج من اعتداءات، وكأن العداء لم يعد يُقاس بمن يغتصب الأرض، بل بمن يخالف أهواء أحزابهم ومصالح مموليهم في طهران. إنها لحظة انكشاف تاريخية، سقطت فيها الأقنعة، وظهرت فيها الحقائق بلا رتوش.
الخلاصة: التوازن بين حب الأوطان ونصرة القضايا
الخلاصة التي لا بد أن تُستحضر دائماً هي أنه لا تعارض أبداً بين حب الوطن والولاء له، وبين نصرة قضايا المسلمين العادلة. بل إن الجمع بينهما هو الفهم الصحيح والاتزان المطلوب. أما تحويل القضايا الكبرى إلى أدوات للطعن في الأوطان، أو جسور لتمرير مشاريع مشبوهة، فذلك انحراف خطير في الوعي قبل أن يكون خطأً في الموقف السياسي. ختاماً، ستبقى فلسطين قضية عادلة، لكن عدالتها لا تعني أن كل من تكلّم باسمها صادق، ولا أن كل من رفع شعارها مخلص. فبين صدق الفعل وتزوير القول مسافة لا يدركها إلا من أبصر بعين الوعي والحكمة. فلا تنخدع بالبريق الزائف، ولا تُسلّم عقلك للعاطفة العمياء، وكن ممن ينصر الحق بميزان ثابت، لا باندفاع عابر.
The post القضية الفلسطينية: بين ثبات الموقف والمتاجرة السياسية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

