يتغير الإنترنت الذي نعرفه بصمت خلف الكواليس، لكن الأرقام الجديدة صادمة بما يكفي لإعادة النظر في كل ما نتصفحه. دراسة حديثة قادتها جهات بحثية مرموقة، من بينها إمبريال كوليدج لندن وجامعة ستانفورد، كشفت حقيقة مذهلة: 35.3% من مواقع الإنترنت اليوم صُنعت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بينما تُدار 17.6% منها بالكامل بواسطة خوارزميات صامتة دون تدخل بشري يُذكر.
لم تعد القصة تتعلق بمجرد «مساعد رقمي»، بل بنشوء ما يُعرف بـ «نظرية الإنترنت الميت» (Dead Internet Theory) التي تحولت من فرضية مؤامرة إلى واقع إحصائي. وتشير التقارير إلى أن ثلث حركة الإنترنت العالمية باتت تأتي من «روبوتات» ومحركات ذكاء اصطناعي تجوب الشبكة لتغذي نفسها بالمحتوى، الروبوتات هي من يكتب، والروبوتات هي من يحلل، في حلقة مفرغة تبدو فيها البشرية «ضيفاً ثانوياً».
ورغم أن المحتوى المولد آلياً قد يكون دقيقاً ومستنداً إلى مصادر، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في «التصحر الإبداعي». وعندما تتولى الخوارزميات زمام الأمور، نلاحظ:
- تراجع التنوع البشري: تكرار نفس الأنماط والأفكار بشكل دائري يقتل التجديد.
- إرضاء المحركات لا العقول: محتوى مصمم بدقة ليتصدر نتائج البحث (SEO) فقط، لكنه يفتقر للصدق والعاطفة الإنسانية.
- فقاعة التكرار: محتوى آلي يتغذى على محتوى آلي آخر، مما يؤدي إلى «تلوث البيانات» بمرور الوقت.
وتشير البيانات إلى أن النشاط الآلي تجاوز النشاط البشري فعلياً في فترات معينة من العام الحالي. وهذا التحول يضعنا أمام سؤال مصيري: هل نحن من يشكل مستقبل الشبكة؟ أم أن الإنترنت بدأ يستقل بذاته ويخلق عالماً موازياً بعيداً عن سيطرة صانعيه؟
وبينما تتسارع هذه التحولات، تظل كل نقرة وكل قراءة محفوفة بالشك، فالعقل الذي يخاطبنا من خلف الشاشة، قد لا يكون «بشرياً» كما نظن!

