شهد قطاع المياه في المملكة العربية السعودية خلال العقدين الماضيين تحولات مؤسسية واستثمارية عميقة جعلته أحد أكثر قطاعات البنية التحتية تطوراً في المنطقة. فقد تمكنت المملكة من بناء منظومة متكاملة لإنتاج المياه ونقلها وتوزيعها ومعالجتها وإعادة استخدامها، مدعومة باستثمارات كبيرة وبرامج إصلاح مؤسسي متسارعة انسجمت مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

وقد أسهمت هذه التحولات في تعزيز موثوقية الإمدادات المائية وتحسين جودة الخدمات ورفع كفاءة إدارة الموارد، كما مكّنت القطاع من استقطاب استثمارات وخبرات عالمية من خلال نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومع نضوج هذه المنظومة وتوسعها، تبرز الحاجة إلى مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي تركز على تعزيز الحوكمة ووضوح الأدوار بين الجهات المختلفة ويحد من التداخل المؤسسي ويرفع كفاءة منظومة المياه ويعزز مرونتها وقدرتها على الاستمرار في مختلف الظروف.

وتشير التجارب الدولية في قطاعات البنية التحتية الكبرى إلى أن نجاح هذه القطاعات يعتمد بدرجة كبيرة على وضوح الأدوار المؤسسية والفصل بين الجهات المسؤولة عن وضع السياسات وتنظيم السوق وتشغيل الخدمات وتطوير الاستثمارات. فكلما كانت المسؤوليات محددة بوضوح، زادت كفاءة اتخاذ القرار وتحسنت جودة الخدمات وتعززت قدرة القطاع على جذب الاستثمارات طويلة الأجل.

وفي هذا السياق يمكن النظر إلى منظومة قطاع المياه في المملكة من خلال أربعة أدوار مؤسسية رئيسية تشكل إطار الحوكمة المتكامل للقطاع: الدور التشريعي، والدور التنظيمي، والدور التشغيلي، والدور الاستثماري.

أولاً: الدور التشريعي وصياغة السياسات

يتمثل هذا الدور في وضع الاستراتيجيات والسياسات العامة لقطاع المياه وتحديد الأولويات الوطنية المرتبطة بالأمن المائي والغذائي والاستدامة البيئية والتنمية الاقتصادية. ويقع هذا الدور ضمن مسؤوليات وزارة البيئة والمياه والزراعة التي تعمل على تطوير السياسات والتشريعات التي توجه مسار القطاع على المدى الطويل.

كما يشمل هذا الدور الإدارة الاستراتيجية للموارد المائية في المملكة من خلال وكالة المياه بما يضمن استدامتها وتعظيم الاستفادة منها للأجيال القادمة. كما تعمل على تطوير الخطط الوطنية لتحقيق التوازن بين العرض والطلب على المياه وتعزيز الإدارة المتكاملة للموارد المائية.

وفي هذا السياق يمكن للوكالة أيضاً تطوير برامج وطنية لتعزيز تجديد المياه الجوفية عبر إعادة تغذية الخزانات الجوفية باستخدام المياه المعالجة، وهو ما يعرف عالمياً بمفهوم Managed Aquifer Recharge ويسهم هذا النهج في دعم المخزون الجوفي والحد من استنزاف المياه غير المتجددة، إضافة إلى تحويل المياه المعالجة إلى مورد استراتيجي يعزز الأمن المائي على المدى الطويل، إضافة الى تطوير تسعيرة الظل لتحول من مفهوم المياه كخدمة الى اقتصادي سيادي.

ثانياً: الدور التنظيمي

تقوم الوزارة بالدور التنظيمي من خلال الهيئة السعودية للمياه لوضع الأطر التنظيمية للسوق ومراقبة جودة الخدمات وضمان عدالة المنافسة وحماية المستهلك وتعزيز كفاءة استخدام المياه. كما تعمل الهيئة على تطوير البيئة التنظيمية للقطاع بما يضمن تحقيق التوازن بين مصالح المستهلكين واستدامة الاستثمارات في البنية التحتية المائية.

ومع تطور القطاع وتزايد الجهات المشاركة فيه، يصبح من المهم تعزيز تكامل الأدوات التنظيمية بما يحقق وضوح العلاقة بين السياسات الحكومية وتنظيم السوق. كما يمكن تعزيز هذا الدور من خلال توحيد ودمج الجهود المرتبطة بكفاءة استخدام المياه، بما في ذلك التكامل مع مهام المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه، بما يسهم في تحقيق انسجام أكبر بين تنظيم السوق وسياسات ترشيد استهلاك المياه.

ثالثاً: الدور التشغيلي

يتمثل الدور التشغيلي في إدارة وتشغيل البنية التحتية المائية بكفاءة عالية من خلال شركات تشغيل متخصصة، بحيث يكون لكل جهة نطاق واضح من المسؤوليات ضمن منظومة القطاع. ويعد وضوح هذا الدور أحد أهم عناصر الحوكمة في قطاعات المرافق العامة، إذ يتيح للشركات التشغيلية التركيز على رفع الكفاءة التشغيلية وتحسين جودة الخدمات دون التداخل مع الأدوار التنظيمية أو التشريعية.

ومن الجوانب المهمة في تطوير منظومة التشغيل في قطاع المياه التأكد من تكامل مشاريع الإنتاج والمعالجة مع جاهزية شبكات النقل والتوزيع المرتبطة بها. ففي بعض مشاريع البنية التحتية قد يتم تنفيذ بعض مكونات مشاريع البنية التحتية المائية في مراحل زمنية مختلفة بحسب طبيعة كل مشروع، الأمر الذي يبرز أهمية التخطيط المتكامل بين مشاريع الإنتاج والنقل والتوزيع لضمان جاهزية المنظومة التشغيلية بشكل متزامن وتحقيق الاستفادة المثلى من الأصول.

ولذلك يصبح من الضروري التخطيط لمشاريع البنية التحتية المائية على مستوى المنظومة المتكاملة، بحيث يتم تنسيق جداول التنفيذ والتشغيل بين مختلف مكونات النظام المائي. حيث يسهم هذا النهج في رفع كفاءة الاستثمارات العامة وتجنب أي التزامات مالية قد تتحملها الدولة دون الاستفادة الفعلية من الخدمات المقدمة، خصوصاً في المشاريع المنفذة بنماذج الشراكة مع القطاع الخاص.

وتتوزع مسؤوليات التشغيل في قطاع المياه بين عدد من الجهات المتخصصة التي تشكل منظومة تشغيلية متكاملة على النحو التالي:

1- شركة المياه الوطنية: ان تتولى مسؤولية توزيع المياه للمستهلكين وجمع مياه الصرف الصحي ومعالجتها، مع إمكانية تعزيز دورها في تطوير سوق المياه المعالجة للقطاعين الصناعي والتجاري والتعديني بما يدعم الاقتصاد الدائري للمياه.

2- المؤسسة العامة لري: ان تتولى مسؤولية إدارة شبكات الري وتوزيع المياه الزراعية وتشغيل مشاريع السدود المرتبطة بالري، مع التركيز على رفع كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي وتعزيز استخدام المياه المعالجة في الري بما يحقق ويعزز متطلبات الامن الغذائي. كما يمكن تعزيز فرصتها لدخول كمطور فقط في مشاريع الشراكات مع القطاع الخاص بشكل محدود لمحطات معالجة الصرف الزراعي.

تطوير وحوكمة سوق المياه المعالجة:

ومن الجوانب المرتبطة بحوكمة القطاع أيضاً تطوير تنظيم سوق المياه المعالجة وإعادة استخدامها. فقد توسع استخدام المياه المعالجة في المملكة خلال السنوات الماضية ليشمل قطاعات متعددة مثل الزراعة، والصناعة، والخدمات، والتعدين. ومع اختلاف طبيعة هذه القطاعات من حيث حجم الطلب وطبيعة الاستخدام، تبرز أهمية تطوير أطر تنظيمية واضحة لآليات التسعير بما يحقق التوازن بين تشجيع إعادة الاستخدام وضمان كفاءة تخصيص الموارد المائية.

وفي هذا السياق، يظل القطاع الزراعي الذي تخدمه بشكل رئيسي المؤسسة العامة لري من أكبر المستفيدين من المياه المعالجة نظراً لدوره في دعم الأمن الغذائي. وفي المقابل، يتزايد الطلب على المياه المعالجة في القطاعات الصناعية والتجارية والتعدينية، الأمر الذي يبرز أهمية تطوير نماذج تسعير تراعي اختلاف طبيعة الاستخدام بين هذه القطاعات.

ويمكن أن يسهم الفصل التنظيمي بين استخدام المياه المعالجة في القطاع الزراعي من جهة، واستخدامها في القطاعات الصناعية والتجارية من جهة أخرى، في تحقيق قدر أكبر من التوازن في آليات التسعير بما يعكس القيمة الاقتصادية للمياه ويعزز كفاءة استخدامها. كما يعزز هذا التوجه دور الهيئة السعودية للمياه في تنظيم سوق المياه وتطوير أطر تنظيمية تدعم استدامة الموارد المائية.

3- شركة نقل المياه: أولا نعتقد ان الدور الأساسي لشركة هو نقل المياه وليس حلول او تقنيات المياه. وفي جانب نقل المياه الاستراتيجي تتولى تنفيذ وتشغيل شبكات نقل المياه بين مناطق المملكة وفق البرامج الحكومية، ويمكن تعزيز دورها لتكون المشغل الوطني لشبكات النقل بما في ذلك شبكات نقل المياه المعالجة الاستراتيجية لخدمة القطاعات الصناعية، والتجارية، والتعدينية، والزراعية. كما نعقد انه يمكن تعزيز فرصتها لدخول كمطور فقط في مشاريع الشراكات مع القطاع الخاص بشكل محدود.

4- شركة إنتاج المياه من التحلية او التنقية: فتواصل تشغيل محطات التحلية والتنقية الحكومية الحالية، كما نعقد انه يمكن تعزيز فرصتها لدخول كمطور فقط في مشاريع الشراكات لمحطات التحلية او التنقية مع القطاع الخاص بشكل محدود.

5- الشركة السعودية لشراكات المياه: تواصل دورها المحوري في تطوير وطرح مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع المياه. ومع تراكم الخبرات المؤسسية في هذا المجال يمكن أن يتطور دورها لتصبح بيت الخبرة الوطني لعقود الشراكات في مشاريع البنية التحتية في كل القطاعات، بما يسهم في تطوير القدرات الوطنية في تصميم وإدارة هذه المشاريع طويلة الأجل لتحقيق اعلى كفاءة وتقليل المخاطر من خلال تعزيز التواصل بين جميع الجهات المستفيدة من مشاريع الامتياز وبما يضمن تكامل النظام المائي.

6- ومن المقترحات التنظيمية التي يمكن أن تسهم في رفع كفاءة بعض الأنشطة الخدمية إنشاء شركة وطنية متخصصة لخدمات نقل المياه بالصهاريج، تتولى تشغيل هذا النشاط ورفع كفاءة خدماته وضمان جودة المياه وسلامة عمليات النقل، بما يشمل إدارة مواقع التعبئة ونقاط التفريغ وتطوير معايير تشغيلية موحدة لهذا القطاع.

7- مراكز ومعاهد البحث والتطوير والابتكار: يمكن تعزيز التكامل بين السياسات والبحث العلمي من خلال نقل مراكز ومعاهد الأبحاث والتطوير والابتكار المرتبطة بقطاع المياه إلى وكالة الأبحاث والابتكار داخل الوزارة، بما يدعم تطوير التقنيات المائية ورفع كفاءة إدارة الموارد وتوحيد جهود الابتكار. وهذا ممكن ان يكون له دور كبير أيضا في تعزيز دور المنظمة العالمية للمياه GWO.

– الإطار المقترح لهيكلة وحوكمة منظومة قطاع المياه في المملكة العربية السعودية

رابعاً: الدور الاستثماري

يتمثل الدور الاستثماري في تطوير مشاريع البنية التحتية المائية واستقطاب الاستثمارات والشراكات طويلة الأجل من خلال نماذج التمويل الحديثة، بما يعزز استدامة القطاع ويزيد من قدرته على مواكبة النمو الاقتصادي والعمراني في المملكة. ويمكن أن يتم تطوير هذه المشاريع من خلال وكالة الوزارة للاستثمار أو عبر الشركة السعودية لشركات المياه التي تتولى طرح مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتطوير نماذج الاستثمار المناسبة لطبيعة كل مشروع.

إدارة متكاملة لمنظومة المياه

إن وضوح الأدوار المؤسسية بين الجهات المختلفة يسهم في بناء منظومة مائية أكثر تكاملاً وكفاءة، بحيث تعمل مكونات القطاع المختلفة من الإنتاج إلى النقل والتوزيع وإعادة الاستخدام ضمن إطار تشغيلي متكامل يضمن تحقيق أعلى كفاءة تشغيلية واستثمارية.

وفي ظل ما حققته المملكة من إنجازات كبيرة في تطوير قطاع المياه خلال السنوات الماضية، فإن المرحلة القادمة تمثل فرصة مهمة للانتقال من مرحلة توسيع البنية التحتية المائية إلى مرحلة تعظيم كفاءة حوكمة المنظومة المؤسسية. فوضوح الأدوار بين الجهات التشريعية والتنظيمية والتشغيلية والاستثمارية سيعزز قدرة القطاع على مواكبة متطلبات التنمية المستدامة، ويضمن إدارة أكثر كفاءة واستدامة للموارد المائية، ويدعم تحقيق الأمن المائي والغذائي للمملكة على المدى الطويل.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version