قد تبدو بقايا وجبة تُترك في طبق، أو خضروات تذبل في أحد أدراج الثلاجة، أو عبوة طعام تُنسى حتى تنتهي صلاحيتها، تفاصيل صغيرة لا تستحق كثيرًا من الانتباه. لكن حين تتكرر هذه المشاهد في ملايين المنازل حول العالم، فإنها تتحول إلى مشكلة ضخمة تتجاوز حدود المطبخ، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد والموارد الطبيعية والمناخ.

وتكشف أحدث بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم أهدر نحو 1.05 مليار طن من الغذاء في عام 2022 على مستوى الأسر وتجارة التجزئة وخدمات الطعام، بما يعادل قرابة خُمس الغذاء المتاح للمستهلكين. وكانت الأسر مسؤولة عن نحو 631 مليون طن؛ أي ما يقارب 60% من إجمالي الهدر في تلك المستويات. كما يرتبط الغذاء المهدَر بنحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، إلى جانب استنزاف الأراضي الزراعية والمياه والطاقة التي استُخدمت لإنتاج طعام لم يُؤكل.

سلوكيات تهدر الطعام

وتعني هذه الأرقام أن المشكلة لا تبدأ عند حاوية النفايات، وإنما قبل ذلك بكثير؛ عند لحظة الشراء، وفي طريقة تخزين الطعام، وعند تحديد الكميات التي تحتاجها الأسرة، ثم عند اتخاذ القرار بشأن ما سيُطهى وما سيبقى في الثلاجة.

وفي الحياة اليومية، قد يكون السبب بسيطًا للغاية: شخص نسي علبة طعام في الجزء الخلفي من الثلاجة، أو ذهب إلى المتجر من دون أن يتفقد ما لديه في المنزل، فاشترى كميات إضافية. وقد يكون السبب أكثر ارتباطًا بنمط الحياة؛ يوم طويل ومرهق يجعل إعداد الطعام مهمة ثقيلة، أو طبق لم يحظَ بإعجاب أفراد الأسرة، فينتهي به المطاف في سلة المهملات بدلًا من تناوله أو إعادة استخدامه.

من رفِّ الثلاجة إلى مكبِّ النفايات.. رحلة طعامٍ مهدور وموارد مبددة

فجوة بين الوعي والسلوك

وهنا تظهر مفارقة لافتة في سلوك المستهلك: قد يكون الشخص حريصًا على البيئة في جوانب كثيرة من حياته، فيقلل استخدام البلاستيك أو يحرص على إعادة التدوير أو يختار منتجات ذات أثر بيئي أقل، لكنه لا يرى بالضرورة أن التخلص من الطعام جزء من القضية البيئية نفسها.

وتشير الأدبيات البحثية إلى وجود فجوة بين القيم والسلوك؛ فمعرفة المستهلك بأن هدر الطعام مشكلة لا تعني تلقائيًا أنه سيغير عاداته اليومية. وقد يكون الشخص مقتنعًا أخلاقيًا بضرورة تقليل الهدر، لكنه يظل أسير عادات الشراء والتخزين والطهو التي تنتج النفايات بصورة متكررة. وتوضح مراجعات ودراسات سلوكية أن التخطيط للتسوق والروتين اليومي والمهارات المرتبطة بإدارة الطعام قد تكون عوامل مؤثرة بقوة في كمية الطعام المهدَر، وليس مجرد النية أو الموقف الأخلاقي.

ومن هنا يمكن النظر إلى المستهلكين من خلال أنماط سلوكية مختلفة بدل التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة؛ فهناك من يربط باستمرار بين اختياراته الغذائية والمسؤولية البيئية، وهناك من يتبنى هذه القيم بصورة متقطعة، بينما قد يحرص آخرون على عدم إهدار الطعام لأسباب اقتصادية أو عملية من دون أن ينظروا إليه بوصفه قضية بيئية. وفي المقابل، هناك من يهدر الطعام بصورة منتظمة، حتى لو كان مدركًا لبعض آثاره.

وتكشف دراسات سلوك المستهلك بالفعل عن تعدد هذه الأنماط؛ فقد أظهرت أبحاث مختلفة تقسيمات سلوكية متعددة، من بينها مستهلكون حريصون على الحد من الهدر، وآخرون يهدرون الطعام بصورة عرضية، وفئات أكثر ارتباطًا بالراحة أو ضيق الوقت أو أنماط الشراء التي تقود إلى شراء كميات أكبر مما تحتاجه الأسرة.

ولهذا، فإن الشخص الذي يهتم بالبيئة لكنه يهدر الطعام لا ينبغي النظر إليه باعتباره متناقضًا بالضرورة؛ فقد تكون المشكلة في أن العلاقة بين الطعام والمناخ غير واضحة في ذهنه. عندما يُعاد تدوير عبوة بلاستيكية، يكون أثر الفعل مرئيًا ومباشرًا، أما حين يُرمى طبق طعام، فقد لا يظهر للمستهلك ما وراءه من مياه وأرض وطاقة وعمل وانبعاثات تراكمت منذ زراعة مكوناته وحتى وصوله إلى المائدة.

التوعية تصنع فرقًا

وهنا تكتسب حملات التوعية أهميتها، لكن فعاليتها لا ترتبط بمجرد إخبار الناس بأن هدر الطعام سيئ؛ فالدراسات تشير إلى أن حملات التوعية يمكن أن ترفع الدافع والمعرفة والقدرة على الحدِّ من الهدر، لكنها لا تضمن وحدها تحول المعرفة إلى سلوك دائم؛ إذ قد تظل هناك عوائق مرتبطة بالعادات اليومية، والعروض التجارية، وطريقة التسوق، وضيق الوقت.

لذلك تبدو التوعية الأكثر فاعلية حين تتحول من رسائل عامة إلى مهارات عملية: افحص الثلاجة قبل التسوق، ضع قائمة بالكميات المطلوبة، خطط للوجبات، استخدم الطعام الموجود قبل شراء المزيد، تعلّم طرق حفظه، وابتكر وصفات للاستفادة من البقايا. وتشير أبحاث سلوكية إلى أن بعض هذه الممارسات؛ ومنها استهلاك الطعام الموجود بالفعل والتحقق من احتياجات أفراد الأسرة قبل إعداد وجبة جديدة، تعد من السلوكيات ذات الإمكانات المهمة للحد من هدر الطعام.

كما أن الرسالة نفسها يمكن أن تصبح أكثر تأثيرًا عندما تخاطب دوافع مختلفة في الوقت ذاته؛ فهناك من يستجيب للبعد البيئي، وآخر يهتم بتوفير المال، وثالث تحركه قيمة الطعام وعدم إهداره، ورابع يحتاج ببساطة إلى أدوات تساعده على تنظيم المشتريات. وبذلك تتحول القضية من خطاب أخلاقي يحمّل المستهلك المسؤولية وحده إلى منظومة تساعده فعليًا على اتخاذ القرار الأقل هدرًا.

التغيير يبدأ من المائدة

وتؤكد الأدلة الحديثة أن معالجة هدر الطعام لا يمكن أن تعتمد على تغيير الفرد وحده؛ فبيئة المتجر، والعروض الترويجية، وأحجام العبوات، وإتاحة المعلومات، والبنية التحتية، والسياسات العامة، كلها تؤثر في قدرة المستهلك على تغيير سلوكه. وتخلص مراجعة بحثية منشورة في 2026 إلى أن التدخلات السلوكية تكون أكثر قابلية للاستمرار عندما تتكامل ممارسات المستهلك مع بيئة الأعمال والسياسات والظروف المحيطة به.

وفي النهاية، قد تبدأ مواجهة هدر الطعام من مكان صغير جدًا: رف في الثلاجة، وقائمة مشتريات، ووجبة يجري إعدادها بعد يوم طويل. لكن أثر هذه القرارات لا يبقى داخل المنزل. فكل طعام يُنتج ثم يُرمى يحمل معه موارد استُهلكت وانبعاثات نتجت بلا فائدة غذائية. ومن هنا، فإن تعليم المستهلك كيف يخطط لما يشتريه، وكيف يخزن ما لديه، وكيف يستفيد من البقايا، قد يكون أكثر من مجرد نصائح منزلية؛ إنه جزء من تغيير أوسع يبدأ من المائدة ويمتد إلى البيئة والاقتصاد ومستقبل الغذاء.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version