مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة بوابة كبرى للوطن. دخل قائمة المطارات العملاقة في العالم بعد أن عبره خلال عام 2025 أكثر من 53.4 مليون مسافر عبر 310 آلاف رحلة، وهو أعلى رقم يسجله مطار سعودي منذ بداية حركة الطيران في المملكة. ويواصل المطار توسعه نحو مستهدف يتجاوز 90 مليون مسافر سنوياً بحلول 2030، فيما تعزز الجوائز والتقديرات الدولية حضوره بين مطارات العالم.

وخلف هذه الأرقام مشهد إنساني أوسع. ملايين الوجوه واللغات والحكايات تمر من مكان واحد. يعبر منه الحجاج والمعتمرون إلى رحلتهم الإيمانية، ويصل عبره السائح لاكتشاف المملكة، وتتقاطع في صالاته ثقافات قادمة من جهات الأرض. صورة تتشكل عند الوصول، وأخرى تبقى عند المغادرة.

وفي هذا الامتداد العالمي تحضر الثقافة جزءاً من هوية المكان. فالمطار يقدم وطنه بحركة الطائرات واتساع الصالات وكفاءة التشغيل، وتحضر فيه ثقافة المملكة وفنونها بما تختزنه من تاريخ وهوية وذاكرة.

كلما اتسع المطار.. اتسعت نافذة الوطن على العالم

وفي اليوم الوطني السعودي حضرت الفنون السعودية في هذه النافذة بلغتها الخاصة. مئات الأعمال توزعت على ثلاثة مواقع في القدوم والمغادرة وموقع تدشين الفعاليات، وآلاف المسافرين والزوار وجدوا الفن في طريقهم. لوحة وصورة ومجسم وحرف، موسيقى وعرضة ورسم حي. مشهد جمع التاريخ والذاكرة والفنون في مكان تتحرك عبره ثقافات العالم.

المجسمات.. التاريخ والحرف في المكان

استوقفت المسافرين مجسمات لقصر المصمك وباب مكة، معلمان ارتبطا بالملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، في مسيرة توحيد البلاد. ومن الرياض إلى جدة حمل المجسمان ذاكرة مرحلة صنعت وطناً. أبواب فتحها المؤسس فأشرق منها نور الوطن وتجسدت وحدته.

وحضرت الحروف العربية في مجسمات معاصرة، خرج فيها الحرف من سطح اللوحة وأخذ حجمه في المكان، حاملاً جمال العربية وهويتها وامتدادها الحضاري.

الفوتوغرافيا.. ذاكرة الوطن تسافر

حضرت مناطق المملكة كلها في الصور بتنوعها الجغرافي والثقافي، من الإنسان والمكان إلى الطبيعة والعمران والتراث. حملت العدسات ملامح وطن متعدد البيئات، متجذر الهوية، يمتد من منطقة إلى أخرى ويجتمع في ذاكرة وطن.

الصورة لا توقف الزمن.. تعيده إلى الحياة.

وفي المطار تسافر الصورة مرتين، داخل إطارها، ومع مسافر التقطها بهاتفه ومضى بها إلى وجهته، حاملة صورة المملكة إلى العالم.

الخط واللون.. بصمة أمة وذاكرة وطن

في جناح الخط العربي حضرت مدارس وتكوينات متعددة للحرف بجماله وعمقه الثقافي وامتداده العربي والإسلامي، وتوقف عندها مسافرون من لغات وثقافات مختلفة أمام لغة بصرية تحمل هوية المملكة وجذورها الحضارية.

وبجوار الأعمال كتب الخطاط أسماء الزوار، فغادرت أوراق إلى مدن وبلدان مختلفة تحمل بصمة أمة.. وذكرى وطن.

وفي صالات القدوم استقبل اللون المسافرين بأعمال قدمت الأرض والإنسان والهوية والذاكرة، وفي الرسم الحي أضاف الحضور لمساتهم، فتحولت المشاهدة إلى مشاركة.

الموسيقى.. الذاكرة تسمع أيضاً

العود والقانون التقيا على ألحان وطنية عاشت في الذاكرة السعودية: «حدثينا يا روابي نجد»، «فوق هام السحب»، «بلادي منار الهدى»، «وطني الحبيب»، و«حنا رجال أبو فهد».

بعض الأغاني لا نحتاج إلى استعادتها.. هي التي تستعيدنا.

أما العرضة السعودية فحضرت في عدة مواقع داخل المطار بإيقاع الطبول وهيبة الصفوف واعتزاز الراية. وبين صدى الطبول وارتفاع السيوف حضرت ذاكرة وطن ومجد دولة ووحدة كتبت بالعزم ومضت جيلاً بعد جيل.

في العرضة لا يروى المجد بالكلمات وحدها.. له إيقاعه ورايته وخطوات رجاله.

وسط هذه الفنون أخذ المشهد بعداً إنسانياً يتصل بفلسفة المكان. فبين الوصول والمغادرة والإجراءات والمواعيد، وجد المسافر الثقافة في مساره، تخاطب ذاكرته ووجدانه، وتضع الجمال والفن في قلب تجربة السفر.

الفن يؤنسن المكان.. وفي المطار يمنح الرحلة ذاكرة تتجاوز الوصول والمغادرة.

وفي مطار الملك عبدالعزيز الدولي تحضر الفنون السعودية امتداداً لهوية المكان وشخصيته. فالهندسة والاتساع والحركة ترسم حضوره العالمي، فيما يروي الحرف واللون والصورة والموسيقى والتراث حكاية الأرض التي يقف عليها. هنا يعرف المسافر أين وصل، ويحمل معه عند المغادرة صورة وطن له ثقافته وتاريخه وفنونه.

مطار عالمي بهوية سعودية.. لا يشبه إلا وطنه

وتأخذ الشراكة بين شركة مطارات جدة وجمعية الثقافة والفنون بجدة معناها الأعمق في هذا الحضور. فما شهدته الصالات يعبر عن وعي إداري بقيمة الثقافة والفنون ومكانتهما في هوية المكان وأنسنته، ورؤية للمطار تتجاوز وظيفته التشغيلية إلى فضاء يمثل الوطن أمام العالم.

ويحضر هذا الوعي في توجه شركة مطارات جدة برئاسة المهندس رائد المديهيم، رئيس مجلس الإدارة، والمهندس مازن جوهر، الرئيس التنفيذي، حيث تلتقي عالمية المطار بهويته السعودية، وتجد الثقافة والفنون مكانهما في المشهد الذي يراه ملايين المسافرين من مختلف أنحاء العالم.

والفنون إحدى لغات جودة الحياة وأنسنة المدن، تحمل روح السعودية وهويتها وذاكرتها، ويمتد أثرها إلى الصناعات الثقافية والإبداعية والسياحة والفعاليات. وفي هذا المعنى يتصل حضورها بالتحول الثقافي الذي تعيشه المملكة مع رؤية السعودية 2030، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وما يشهده القطاع الثقافي بقيادة وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، حيث أصبحت الثقافة جزءاً أصيلاً من التنمية الاجتماعية والاقتصادية وحضور المملكة الحضاري.

نعيش الفن بذاكرة وطن وهوية راسخة.. ونمضي بهما إلى مستقبل نصنع ملامحه.

وتفتح تجربة اليوم الوطني أفقاً أبعد نحو حضور دائم للفنون السعودية في مطار الملك عبدالعزيز الدولي أمام العالم. القادم يلتقي بثقافة المملكة منذ وصوله، والمغادر يحمل صورتها معه. لوحة وحرف وصورة ومجسم وموسيقى تروي حكاية هذه الأرض وإنسانها، وتبقي الهوية السعودية حاضرة في ذاكرة المسافر.

ومع استمرار توسع المطار ونمو حركة المسافرين، تتسع نافذته على العالم، ويتسع معها حضور الثقافة السعودية أمام ملايين البشر بلغاتهم وثقافاتهم المختلفة.

المطارات بوابات للمدن.. والفنون بوابات إلى روحها.

ويبقى للفنانين والفنانات حق التقدير. بألوانهم وعدساتهم وحروفهم وموسيقاهم حضرت الثقافة السعودية أمام آلاف المسافرين، وسافرت أعمالهم إلى ذاكرة ثقافات متعددة. لكل يد صنعت عملاً، ولكل فنان ترك أثره في ذاكرة المكان.. شكراً.

وامتداداً لهذه الشراكة أهدت جمعية الثقافة والفنون بجدة شركة مطارات جدة جدارية «ذاكرة الأرض» للفنان ثامر الرباط، ومجسماً فنياً لشعار مطار الملك عبدالعزيز الدولي.

انتهت المناسبة، وبقيت الصور في الهواتف، والأسماء بخط عربي في حقائب المسافرين، والألحان في الذاكرة، والفن شاهداً على وطن يقدم ثقافته وهويته.. ويلهم العالم.

كانت البداية في يوم الوطن.. وما بين الفن والمطار حكاية تستحق أن تروى، وشراكة تمتد لتكتب صفحات جديدة في سجل الحضارة السعودية.

• مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version