في البحرين، وربما في عموم أقطار الخليج العربي، لا يوجد من لا يعرف الفنان البحريني الكبير عبدالله المحرقي، الذي حفر اسمه في ذاكرة وطنه بريشته وألوانه ولوحاته وتصاميمه ورسومه الكاريكاتيرية المدهشة والنابضة بالحياة، والمعبرة عن الواقع البحريني بملامحه الطبيعية المختلفة، وعن تراث بلاده وأساطيرها وحكاياتها وعاداتها وتقاليدها، ومعاناة رعيلها الأول، لذا لم يكن غريباً أن يلقب «فنان الشعب».

ومهما برز الآخرون من مواطنيه في عوالم الفن التشكيلي، وجددوا وأبدعوا، يبقى الرجل هو رائدهم ومعلمهم وملهمهم، إذ شق المحرقي طريقه وسط ظروف معيشية صعبة، ولاقى الأمرّين في حياته الدراسية والمهنية حتى بلغ ما بلغه من شهرة كفنان تشكيلي حديث، ورسام كاريكاتير لا يشق له غبار، ومصمم طوابع بريدية وأوسمة وطنية بارع، وصاحب مرسم يزخر بلوحات زيتية ناطقة بحكايات وأحداث وتراث وتاريخ وطنه.

وُلد عبدالله أحمد المحرقي بفريج الفاضل بالمنامة سنة 1939 ابناً لأسرة بحرينية من جزيرة المحرق، التي انتسب لها لقباً. كان والده من نواخذة البحر، وحينما التحق بالعمل في شركة نفط البحرين (بابكو)، أُسندت إليه وظيفة نقل البريد بحراً من المنامة إلى الخبر ورأس تنورة والدوحة، فكان يصطحب معه أحياناً طفله عبدالله على سفينته من باب الترفيه عنه، وتعويده على حياة البحر، وتعريفه بما قاساه الرعيل الأول؛ وعليه عشق المحرقي البحر منذ نعومة أظفاره، وراح يقضي طفولته على شواطئ فريج الفاضل العريق، الذي كان وقتذاك ملاصقاً لمياه البحر، على الرغم من حادثة وقعت له في البحر كادت تودي بحياته. يقول المحرقي في حوار أجرته معه جريدة «الوطن»، وتم نشره على حلقات في ديسمبر 2006، إنه في إحدى رحلاته مع والده إلى السعودية على متن قارب بخاري وهو في الرابعة من عمره، كان يلعب على حافة القارب، فسقط في البحر، ولولا أن قارباً شراعياً كان يبحر بالقرب من المكان ويقترب من قارب والده طلباً للوقود، فسمع أحد ركابه صوت سقوط شيء في الماء، فنزل خلفه لإنقاذه، لكان غرق ومات. وأضاف المحرقي: «لم أشعر بالخوف لحظة السقوط، بل كنت كمن في حلم جميل أنظر إلى الأسماك من حولي وأنا أنزل إلى القاع، وكأني ذاهب إلى اكتشاف المجهول، إلى أن وصلت إلى العمق وبدأ الماء يتخلل رئتي».

أما والدته فقد كانت ربة بيت، تقضي أوقات فراغها في رسم النقوش ورسومات للزهور والطيور والخيول والغزلان على أقمشة المفروشات، ثم تقوم بتطريزها بخيوط البريسم الملونة بدقة متناهية، فيما كان ابنها الصغير يراقبها بدهشة الأطفال وفضولهم.

وهكذا، تأثر المحرقي بنقوش وزخارف والدته من جهة، فعشق الرسم الذي اشتعلت شرارته وهو على مقاعد مدرسته الابتدائية، وتأثر من جهة أخرى بعمل والده وحكاياته عن أهوال البحر ومعاناة «الغاصة» والصيادين، فترجمها إلى لوحات زيتية بعد أن درس الفن التشكيلي وغدا فناناً، وكان لنشأته في فريج الفاضل، من جهة ثالثة، دور في تشكل وعيه وذائقته الفنية مبكراً؛ ففريج الفاضل، طبقاً للشاعر البحريني علي الشرقاوي، «كان قارة كبيرة بالنسبة لنا، وكنا نرى فيه كل ما حوته الدول الكبرى من ثقافة وإبداع، ومنه تخرج الفنان المحرقي الذي يعد أباً الفن التشكيلي في البحرين».

درس صاحبنا ابتداء في أحد الكتاتيب التقليدية، فعانى الأمرّين على أيدي المطوع المتشدد وخيزرانته القاسية ومدرسته القذرة (على حد وصفه)، ما جعله يكره الدراسة ويهرب من الكتّاب، ويتمنى يوم الخلاص الذي جاء سريعاً باتمامه سن الخامسة، حيث ألحقه والده في عام 1945 بالمدرسة الغربية الابتدائية الحكومية بالمنامة. فلما رأى الصفوف والمقاعد النظيفة، وجدران المدرسة مغطاة بالرسومات التوضيحية والخرائط، والتلاميذ بثياب نظيفة، اندهش وأحب المدرسة والدراسة والمدرسين، حتى أنه صار يتمنى أن يبقى كل الوقت في المدرسة، ولا يعود إلى البيت. في تلك المدرسة، تحركت الموهبة في داخله وتنبّه المدرسون إليها فراحوا يكلفونه برسم الخرائط ووسائل الإيضاح، ويقدمون له الهدايا التشجيعية البسيطة، وفي هذه المرحلة المبكرة من حياته رسم الزخارف والمناظر الطبيعية وبورتريهات لشخصيات معروفة كأحمد شوقي، وصلاح الدين الأيوبي، وجوزيف ستالين، وحاكم البلاد آنذاك الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الذي كافأه بمنحه ساعة يد، فكانت تلك أول هدية يتلقاها عن عمل فني.

لاحظ مدير مدرسته، آنذاك الأستاذ حسن الجشي، براعة التلميذ المحرقي، فأمر بعرض لوحاته في المعرض السنوي للمدرسة، وقام بتشجيعه وتكليفه برسم مناظر طبيعية معينة وصور صغيرة له بالألوان نقلاً عن الأبيض والأسود.

تكرر الأمر معه في المرحلتين الإعدادية والثانوية من ناحية تشجيعه على مواصلة موهبته الفنية والارتقاء بها، بل إن مدير مدرسته الثانوية «محمد توفيق السيد»، راح يعامله معاملة الأب لابنه ويرشده، ومن ذلك أنه عرّفه على مصري كان يعمل في دائرة العلاقات العامة بشركة بابكو، وهذا طلب منه أن يتعاون ويعمل خلال العطلة الصيفية في بابكو كرسام للشركة ينفذ لوحات لمناطق العمل وحفر الآبار وعمليات تكرير النفط وقواعد الأمن والسلامة، مقابل مكافآت مالية. ويقال، إن قسم السلامة في بابكو شجعه على التخصص في فن الكاريكاتير.

وحينما أنهى الصف الرابع الثانوي في عام 1956، رغب في مواصلة دراسته الجامعية في الفن، بعد أن يحصل على شهادة الثانوية العامة، فذهب إلى دائرة معارف حكومة البحرين ليقدم طلباً بذلك، لكن الدائرة قابلت طلبه بالرفض. وهنا أخبره أحد أصدقائه أن هيئة الاتحاد الوطني (تنظيم سياسي بحريني) ترسل بعثات إلى مصر، وهناك يتولى «المؤتمر الإسلامي العالمي» تحمل نفقات الطالب، فتقدم بطلبه ونجح في الحصول على ما يريد.

وهكذا، سافر إلى مصر في عام 1956، على الرغم من معارضة أسرته لدراسته الفن، وتحبيذها أن يدرس الطب أو الهندسة. لكنه فؤجئ بتوقف الدراسة في مصر بسبب حرب بورسعيد، وبعد انتهاء الحرب نجح في الحصول على شهادة التوجيهية وراح يستعد لدخول الجامعة، وهو مشتت ما بين رغباته ورغبات أسرته. ما حدث وقتها أن مجموعه لم يكن يساعد على الالتحاق بالطب أو الهندسة، كما أن مدير مدرسته الثانوية المصري محمد توفيق السيد، وكان يدير آنذاك مدرسة خاصة في الزمالك، قابله وشجعه على دخول كلية الفنون قائلاً: «الله خلقك فناناً» فلا تدخل أي كلية أخرى. ولعل ما شجعه على كلية الفنون أكثر هو أن السكرتير العام للمؤتمر الإسلامي اليوزباشي أنور السادات زار آنذاك بيوت الشباب، حيث كان المحرقي يقيم، فأهدى للسادات لوحة بورتريه له رسمها بنفسه، فاستحسنها السادات وشجعه على موهبته.

حزم صاحبنا أمره وتقدم لامتحان الفنون مع 500 طالب، فحصل على الترتيب الثالث، لكنه فضل دراسة الفنون الزخرفية من ديكور وتصميم الأغلفة والطوابع على التصوير الزيتي. وخلال هذه الفترة من حياته، المشحونة بالأحداث السياسية الملتهبة، برع في رسم لوحات تتحدث عن أحداث الساعة كثورة الجزائر، وانقلاب العراق، ونكبة فلسطين، فنشأ لديه أسلوب الفن الواقعي، تأثراً بفناني عصر النهضة، وظل أسيره لفترة طويلة.

في عام 1963 كان المحرقي قد نجح في سنته الجامعية النهائية، ويستعد لتقديم مشروع التخرج النهائي، متمنياً الحصول على درجة الامتياز، لكنه وجد نفسه فجأة معتقلاً بتهمة التآمر ضد نظام الحكم، ليُقتاد من سجن إلى آخر، ثم يرحّل على ظهر باخرة إيطالية من الإسكندرية إلى بيروت، ومن بيروت عاد إلى البحرين كسيراً ومقهوراً دون شهادة، ليواجه التوقيف في المطار والتحقيق معه لمعرفة سر إبعاده عن مصر. توسط الشيخ عبدالرحمن المهزع للإفراج عنه، فعوضه الله خيراً بالعمل في أواخر عام 1963 مع فريق الشيخ محمد بن مبارك رئيس دائرة العلاقات العامة لحكومة البحرين آنذاك. وفي عام 1964 سافر إلى سورية لتقديم أوراقه إلى كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، فطلبوا منه أن يعيد السنة النهائية التي تطلبت منه أن يدرس لمدة 18 شهراً، فلم يجد مفراً سوى عرض استقالته من عمله الحكومي للشيخ محمد بن مبارك، لكن الأخير رد عليه قائلاً: «واصل دراستك.. نحن في انتظارك».

على الرغم من كل العراقيل والمتاعب التي واجهته في مسيرته الدراسية، تخرج من كلية الفنون الجميلة – قسم الزخرفة بجامعة دمشق بدرجة الامتياز في عام 1966، ليعود إلى البحرين منشرحاً وسعيداً، ويواصل عمله بدائرة العلاقات العامة، ويقيم أول معارضه الخاصة في لندن سنة 1970، ويلقى نجاحاً كبيراً وإشادة واسعة من الجمهور البريطاني.

وإبان هذه المرحلة من حياته تحديداً بدأت أعماله الفنية تتخذ طابعاً خاصاً ومتميزاً لجهة الموضوع، إذ اتجه إلى موضوعات إنسانية وعالمية، إضافة إلى موضوعات تتعلق بتراث البحرين والخليج، مثل مظاهر الحياة الاجتماعية قديماً، ومعاناة الغوص والصيد، فرسم البحّارة بوجوههم الرمادية المتألمة وملابسهم الممزقة، ورسم المرأة كرمز للجمال، ورسم الثعبان كرمز للشر، ورسم النخلة كرمز للحياة والاخضرار، ورسم الخيل كرمز للهوية والقوة والشجاعة، وراح يجسد الخيال بأقصى تجلياته الغامضة والمعقدة في لوحة بسيطة. ومما قيل عنه في هذا السياق: «الخاصية الأهم في أسلوب المحرقي أنه شاعر التكوينات بلا منازع، فهو يهجم على موضوعه ويفتته إلى مجموعة عناصر ورموز، ثم يبدأ رحلة إعادة البناء عبر خيال يستقي قوته من الموروث الشعبي وتصورات اللاشعور الجمعي، وبعد إتمام الصورة ما قبل النهائية في ذهنه يقوم برسمها على سطح القماش بألوانه التي لا تقل جرأة ووضوحاً».

الشعر والكاريكاتير.. وتعدد التجارب

لا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن المحرقي أحب الشعر وحفظه، فكان يلتقط من القصائد ما يناسبه فيرسمها في لوحات تشكيلية، بدليل قيامه برسم لوحات تشكيلية لقصائد الشعراء غازي القصيبي وعلي عبدالله خليفة وغيرهما. أما عن الكاريكاتير، فلم ينسَه ومارسه من خلال عمله بدائرة العلاقات العامة مشرفاً على مجلة «هنا البحرين»، فكان يرسم غلافها ورسومها الكاريكاتيرية الداخلية. وفي عام 1976 التحق بجريدة «أخبار الخليج» اليومية رساماً للكاريكاتير السياسي للصفحة الأخيرة بطلب من رئيس تحريرها المرحوم محمود المردي، وظل بها ركناً من أركانها الرئيسية سنوات طويلة تجاوزت الـ35 عاماً، وفي الوقت نفسه، رسم على مدى 14 عاماً الكاريكاتير لصحيفة «البيان» في دبي، فعرفه الناس من خلال بطلَيه الكاريكاتيريين «أم بطولة» و«بوعقوف».

من الوظائف الأخرى التي تولاها المحرقي – عدا العمل بدائرة العلاقات العامة قبل الاستقلال، والعمل بوزارة الإعلام بعد الاستقلال – نجد أنه عمل بديوان ولي العهد مستشاراً فنياً له مرسم خاص في بيته لمزاولة إبداعاته، وإبان توليه هذه المناصب قام منذ عام 1970 بتصميم معظم الإصدارات البحرينية من طوابع البريد، وأيضاً تصميم أوسمة دولة ومملكة البحرين، وفاز بتصميم شعار دولة الإمارات في مسابقة على مستوى العالم العربي.

معارض دولية وجوائز رفيعة

أقام المحرقي – الذي له جناح كامل مخصص لأعماله في المتحف العربي للفن الحديث بالدوحة – معارض كثيرة، في البحرين والكويت والدوحة والشارقة وأبوظبي ومسقط وجدة وبغداد ودمشق والجزائر والقاهرة ولندن وباريس ومدريد وفينيسيا وسنغافورة ومالطا وسيؤول، وشارك في منتديات للفن التشكيلي أو الرسوم الكرتونية في العديد من الدول العربية والأوروبية والآسيوية.

أما على صعيد الجوائز والتكريمات التي حصدها فهي كثيرة، لعل من أهمها؛ الجائزة الدولية من معرض جرولا دورو لعام 1980 في إيطاليا عن لوحته «مأساة غواص»، والميدالية الذهبية من صالون الفنانين الفرنسيين بباريس لعام 1983، ووسام الكفاءة من الدرجة الأولى من الملك حمد بن عيسى آل خليفة سنة 2007، وجائزة الإبداع الفني من مؤسسة الفكر العربي سنة 2012، وجائزة الدولة التشجيعية في الفنون من البحرين لسنة 1985، وجائزة لجنة التحكيم في المعرض الـ26 للفنون التشكيلية 1997، وجائزة رجال الأعمال العرب في منتدى دافوس وفي شرم الشيخ 1996، وجائزة الإبداع الإعلامي في ملتقى الإعلام العربي 2008.

ونختتم بالإشارة إلى أن نجل المحرقي (خالد) سار على درب أبيه، ويُعد اليوم أحد الشباب التشكيليين الماهرين في البحرين، وفي عام 2014 شارك الأب والابن في معرض تشكيلي واحد بعمارة بن مطر في المحرق تحت رعاية الأمير خليفة بن سلمان رئيس الوزراء السابق.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version