على الرغم من الكم الكبير من المعلومات المتاحة عنه، رحمه الله، إلا أن من يريد الكتابة التوثيقية عنه يجد صعوبة بالغة لجهة من أين يبدأ؟ وكيف يختتم؟
ذلك أن حياة الفنان الكبير طلال مداح، ومشواره المثير في عالم الغناء الشرقي والألحان الأصيلة مكتنز بأحداث وتطورات وتحولات وتحديات وتشعبات من المحال الإلمام بكل تفاصيلها وجمع خيوطها.
وفي ذكرى مرور 26 عاماً على رحيله المفجع في 11 أغسطس عام 2000 أمام أكثر من 3 آلاف شخص من عشاق فنه، أثناء تأديته لوصلة غنائية على مسرح «المفتاحة» بمدينة أبها، حري بنا أن نتذكره ونترحم عليه، ونثمن أعماله الطربية الجميلة، غناء ولحنا، ونعيد سرد سيرته ومسيرته الحافلة كرائد من رواد الأغنية الخليجية، وواحد من كبار أعلام الموسيقى في الوطن العربي ممن أثرى الموسيقى والأغنية السعودية والخليجية والعربية، وساهم في تطويرها ونشرها والتعريف بها عالمياً من خلال حفلاته في باريس ولندن وجنيف.
والفنان طلال مداح، الذي يحمل ألقاباً كثيرة مستحقة مثل «قيثارة الشرق»، و«فيلسوف النغم الأصيل»، و«صوت الأرض»، و«الحنجرة الذهبية»، و«زرياب العصر»، لم يكن مجرد فنان عابر في دنيا الموسيقى العربية، إنما نجح، منذ انطلاقته في ستينات القرن العشرين، في احتلال موقع متقدم فيها، ثم راح يدعم موقعه بمداميك فنية صلبة يستحيل اقتلاعها، من خلال الانفتاح على التراث الموسيقي المحلي والعربي والعالمي، والتعاون مع زملائه لتقديم كل جديد ومبتكر واستثنائي، والالتزام بالوعود والعهود والقيم.
ولد «طلال بن عبدالله بن أحمد بن جعفر الجابري»، الشهير باسم طلال مداح، في الخامس من أغسطس 1940 بمكة المكرمة، وتيتم صغيراً فرباه زوج خالته «علي عبدالحميد مداح»، الذي أحبه كثيراً ومنحه لقبه، ونقله للعيش معه بمدينة الطائف.
بدأ تعلقه بالفن منذ الصغر، حينما سحرته أنغام الموسيقار محمد عبدالوهاب، فراح يحفظ أغانيه ويرددها بين زملائه بصوته الجميل المميز، وخلال فترة دراسته بإحدى مدارس الطائف الابتدائية واصل هيامه بالفن والطرب على حساب دراسته، خصوصاً وأن إدارة مدرسته أسندت إليه آنذاك مهمة الغناء في جميع المناسبات والحفلات المدرسية، لذا لم يكمل تعليمه واكتفى بالشهادة الابتدائية.
في تلك الفترة المبكرة من حياته تعرف على أحد زملائه، وهو «عبدالرحمن محمد سعيد خوندنه»، الذي كان يعزف على العود ويملك عوداً خاصاً به اشتراه بمبلغ 300 ريال من شخص يدعى «مبروك القريني». ونظراً لظروف مجتمعه المحافظ المُحرّم للغناء آنذاك، فإن خوندنه حرص أن يخفي عوده في بيت طلال، الذي بدأ مذاك محاولاته الأولى لتعلم العزف دون جدوى. لاحقاً طلب طلال من صديقه خوندنه أن يعلمه العزف، فصار يأخذه إلى منزل صديق لهما يدعى «عبدالله فخري»، كان يعمل كاتباً في شركة كهرباء الطائف. وهناك بدأ طلال في تلقي دروس العزف، وسرعان ما تمكن منه بسبب ذكائه وعشقه للآلة، ناهيك عن تحمسه لفكرة أن يعزف ويغني لنفسه ما يشتهي من الأغاني والألحان المصرية، خصوصاً أغاني وألحان فريد الأطرش، التي تولع بها في هذه المرحلة من حياته مثل: «نورة»، و«جميل جمال»، و«يا جميل على حبك بان لي دليل». ويخبرنا طلال في مذكراته أنه لكي يصقل موهبته الغنائية اقترح على أهله في أواخر الخمسينات أن يأتي بالفنان عبدالله محمد ليعيش معه. فنصحه أهله بالابتعاد عن الأخير بدعوى أنه متمرد وشقي. وحينما أخبره طلال بما أمره به أهله بطريقة لطيفة كيلا يجرح مشاعره عاهده عبدالله محمد أن يبتعد عن الشقاوة وألا يسبب له إحراجاً. وهكذا عاش عبدالله محمد في بيت طلال مداح بالطائف لمدة تزيد على السنة، تعلم خلالها طلال على يده أصول الغناء وأداء الموروث الحجازي.
وكان من نتاج تلك الرفقة والعشرة بين الفنانين، إنتاجهما لواحدة من أجمل أغنيات طلال مداح الأولى التي كانت سبباً في شهرته ونجوميته، وهي أغنية «سويعات الأصيل» من كلمات سلطانة السديري وألحان عبدالله محمد.
في تلك الفترة من خمسينات القرن العشرين، كان الصوت المتسيد لعالم الغناء في الطائف وما جاورها هو المطرب الكبير طارق عبدالحكيم، خصوصاً منذ عام 1951 حينما انتشرت أغنيته الجميلة الخالدة «يا ريم وادي ثقيف» محلياً وعربياً. وفي هذا السياق، كتب الناقد والمؤرخ الفني محمد صادق دياب في صحيفة الشرق الأوسط الدولية (15/2/2008)، أن طارق ظل متسيداً عرش الأغنية السعودية الحديثة دون منازع إلى أن استيقظ ذات يوم (في عام 1959) على صوت جميل يشدو بـ«وردك يا زارع الورد». لم يكن صاحب هذا الصوت سوى طلال مداح، الذي تمكن من خلال هذه الأغنية التي لحنها بنفسه من كلمات عبدالكريم خزام، أن يحقق شهرة مدوية في زمن قصير. إذ توالت بعد ذلك أعماله الغنائية، بل خرج عن النطاق المحلي وراح يغني لكل العرب وبكل اللهجات العربية. وقادته شهرته المدوية إلى مصايف لبنان، حيث حرص في الستينات وأوائل السبعينات على التواجد في مصيفي عاليه وبحمدون للمشاركة مع غيره في إحياء ليال غنائية للمصطافين الخليجيين والعرب.
اشتهر طلال في الوسط الفني بظرفه وطرافته ونيته الطيبة وصفاء قلبه وكرمه الحاتمي وأخلاقه العالية، ناهيك عن ثقته المفرطة في من حوله، وقد جرّت له الخصلة الأخيرة بعض المتاعب، منها أن البعض أقنعه في عام 1964 بدخول المجال السينمائي كبطل لفيلم «شارع الضباب»، والوقوف أمام المطربة اللبنانية الكبيرة صباح. وهذا الفيلم، الذي كتب قصته اللبناني حاتم خوري وأخرجه المصري سيد طنطاوي، لئن ساهم في زيادة شهرته على النطاق العربي، فإن إنتاجه تسبب في إفلاسه مالياً، كما تسبب من ناحية أخرى، في استدعائه ومساءلته من قبل الجهات الإعلامية في بلده. وفي السياق نفسه، يمكن الإشارة إلى قصته مع الموسيقار محمد عبدالوهاب. ففي عام 1965 سمع به عبدالوهاب، والتقاه شخصياً في القاهرة، وأعجب بصوته وأدائه فأطلق عليه لقب زرياب، وقدم له لحن أغنية «ماذا أقول»، لكن الورطة التي وقع فيها آنذاك بسبب طيبته وثقته المفرطة تمثلت في قبوله توقيع عقد مع عبدالوهاب لاحتكار صوته، وهو ما فسخه طلال لاحقاً خوفاً من التبعات، فغضب منه عبدالوهاب وقاطعه أكثر من عقد من الزمن، ليتصالحا بعدها ويتعاونا مجدداً في أغنية «منك يا هاجر دائي» من كلمات أحمد شوقي.
لحن طلال للعديد من المطربين والمطربات المحليين والخليجيين والعرب، ومنهم: عبدالله محمد، ومحمد عبده، وعبادي الجوهر، وراشد الماجد، ورابح صقر، وعلي عبدالكريم، ونايف البدر، وعتاب، وإبتسام لطفي، وعبدالكريم عبدالقادر، ومحمد المسباح، ورباب، وأصيل هميم، ووردة الجزائرية، وفايزة أحمد، وهيام يونس، وهالة سعيد، وسميرة سعيد، ورجاء بلمليح، وذكرى، وعادل مأمون.
ولم يتردد، وهو الملحن الكبير، أن يغني من ألحان غيره، فغنى لعبدالوهاب (ماذا أقول؟)، ولطارق عبدالحكيم («عاش من شافك»، «لك عرش وسط العين»، «عند النقا ويلاه»، «أنا وحدي»، «حبيبي في روابي شهار»، «حبيب تاني»، «مستحلفك يا زين»، «يا ليتني ما هويتك»، «فات الأوان»، «أفديك يا وطني»، و«حائل بعد حيي»)، ولغازي علي («سلام الله يا هاجرنا»، و«جينا من الطايف»، و«أسمر حليوه»)، ولفوزي محسون («عهد الهوى»، «ياللي جمالك جعلني باكي متألم»، «يا حياتي»، «مين فتن بيني وبينك» و«كلام البارحة»)، ولعبدالله محمد («يا صاحبي»، «يا زينة يا أم الجدايل»، و«سويعات الأصيل»)، ولسراج عمر («مقادير»، «غربة وليل»، «لا تقول»، «العطر»، و«الله يرد خطاك»)، ولعدنان خوج (بالإشارة) ولعبدالرب إدريس (أحرجتني)، ولجمال سلامة (يا حبيب العمر)، ولمحمد الموجي («لي طلب»، و«ضايع في المحبة»)، ولبليغ حمدي (يا قمرنا)، ولإبراهيم رأفت («غلاب يا هوى»، و«عز اغترابي»)، ولأبوبكر سالم (ذا اللي حصل من بعد)، ولعبادي الجوهر («طويلة يا دروب العاشقين»، و«عضة الإبهام»)، ولسامي إحسان («تكفيني إنت»، و«مرّت»)، ولمحمد شفيق (فاتر اللحظ).
يمكن تقسيم مشوار فناننا إلى أربعة مراحل عشرية، هي المرحلة الأولى (أواخر الخمسينات وعقد الستينات): وفيها بزغ نجمه واشتهر، بعد أن لحن وغنى «وردك يا زارع الورد»، ناقلاً بذلك الأغنية المحلية من الأسلوب التقليدي البسيط إلى أسلوب الأغنية المكبلهة ذات الإيقاعات المتعددة، ثم سجلها في الإذاعة بتشجيع ودعم من مديرها العام آنذاك الأستاذ عباس فائق غزاوي. وفي هذه المرحلة، غنى أغاني أخرى مكبلهة وطنية وعاطفية مثل: «قصت ظفايرها»، «حبك سباني وجسمي نحل»، «من فتن بيني وبينك»، «جتني تقول»، «غريبة»، و«عطني المحبة»، وغيرها، وتعرف على لبنان فتردد عليه للغناء وتسجيل أغانيه في استوديوهاته، وقدم فيلمه السينمائي الوحيد هناك كما أسلفنا، ثم تعرف على القاهرة ومباهجها الفنية، وسجل تعاونه الأول مع عبدالوهاب، وارتبط بصداقة عمر مع المونولوجست والكاتب الغنائي الظريف لطفي زيني، فغنى من كلمات الأخير وأسس معه في عام 1966 شركة أسطوانات «رياضفون» التي أغلقت أبوابها مع ظهور الكاسيت، وشاركه في عام 1973 بطولة المسلسل التلفزيوني «الأصيل»، وظهر معه عام 1965 في أول فيديو كليب في تاريخ بلدهما وكان لأغنية «عيني علينا» من كلمات زيني.
العودة إلى الأضواء
المرحلة الثانية (عقد السبعينات): تعد هذه المرحلة بمثابة فترة الانطلاق الحقيقية لطلال نحو النجومية، فقد تميزت بغزارة إنتاجه وتعاونه مع الشعراء الأمراء بدر بن عبدالمحسن، ومحمد عبدالله الفيصل، والملحن القدير سراج عمر، وفيها قدم جملة من روائعه مثل «زمان الصمت»، و«مقادير»، و«أغراب»، و«لا تقول»، «ولا وعد»، علاوة على أغنية «وعد» التي راح التلفزيون الفرنسي يكرر إذاعتها. كما تميزت تلك الفترة بإشعاله مسارح القاهرة طرباً وفناً، في ظل وجود عمالقة الفن المصريين (أم كلثوم، وعبدالوهاب، وعبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش)، وقيامه بتأليف مقاطع موسيقية، لعل أشهرها مقطوعة «ليالي البرازيل»، التي برهن من خلالها على علو كعبه في التلحين دون نص شعري.
بداية النجومية
المرحلة الثالثة (عقد الثمانينات): تميزت بداية هذه المرحلة بتوجهه نحو طرح الأغاني القصيرة بعد الأغاني الطويلة، فقدم «أحبك كثر خطوات الثواني»، و«زلزليني»، و«بسكات»، ثم ابتعد عن الساحة الفنية المحلية لبضع سنوات بسبب انتقاله للعيش في لندن وتنقله بينها وبين المغرب. لكنه عاد في عام 1985 إلى الطائف التي شهدت بزوغ فنه، ليُحيي حفل افتتاح بطولة كأس العرب لكرة القدم في يوليو من ذلك العام، فأطرب الحضور بمجموعة من أغانيه، كان من بينها: موال «زارنا في الظلام يطلب سترا»، وأغنيات «العشق»، و«ما عاد لي نفس»، و«تصدق ولا أحلف لك»، و«زل الطرب»، فحصل، تقديراً لمشاركته، على وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية من الملك فهد بن عبدالعزيز. وفي هذه المرحلة أيضا، وتحديداً في عام 1986 طرح للمرة الأولى ألبوماً غنائياً حمل اسم «سيدي قم»، وهو ما واصله في عقد التسعينات.
أوليات طلال مداح
المرحلة الرابعة (فترة التسعينات): في هذه المرحلة، خفف طلال من إحياء الحفلات الغنائية الخارجية، وانشغل بتجديد أغانيه القديمة، التي سبق أن قدمها قبل فترة حفظ حقوق الملكية الفكرية، وذلك من خلال توزيع جديد ومتطور، أو من خلال إعادة غنائها على العود في جلسات طربية، كما واصل إطلاق الألبومات الغنائية، ومنها ألبوم خاص للعزف المنفرد على العود. إلى ذلك عاد للتعاون مع الملحنين المصريين، فتعاون مع إبراهيم نشأت في عملين، ومثلهما مع توفيق فريد، وفيها انطوت صفحته بوفاته وهو يدندن على الآلة التي رافقته منذ طفولته.
من يطلع على سيرة طلال مداح، سوف يفاجأ بأنه كان الأول بين مواطنيه الفنانين في مجالات كثيرة، فهو: أول من دخل ميدان الإنتاج والتمثيل السينمائي، وأول من طبع أسطوانات غنائية، وأقام حفلات طرب عامة داخل بلده، وأول من طور الأغنية المحلية على نمط الكوبليهات، وأول من قدم الأغنية الوطنية، وأول من بثت أغنياته من محطات الإذاعة في القاهرة وبيروت ودمشق ولندن وموسكو وألمانيا وهولندا وبراغ، وأول من حصل على «الأسطوانة الذهبية»، وأول من صنع مقطوعة موسيقية، وأول من تم تسجيله في جمعية المؤلفين والموسيقيين الفرنسية من مواطنيه، وأول فنان تذاع له أغنية عاطفية في الإذاعة السعودية، وأول فنان خليجي تبث له أغنية على التلفزيون الفرنسي، وأول من ظهر في فيديو كليب من بين زملائه ومواطنيه.

